محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

56

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

الكلام فيه على جملة واحدة وهي : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً « 1 » فقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ وقوله : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في موضع خبره وهذا الخبر يتصل به مفعولان الأول « هم » والثاني « غرفا » ، وغرفا نكرة موصوفة بقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقوله : خالِدِينَ فِيها حال من التبوئة ، فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد وهي جملة ابتداء وخبر واحتمل نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أن يجيء بالواو وأن يجيء من دونها اختير مجيئها بغير واو لتشبه ما تقدم من صفة بخبر لا على سبيل عطف ونسق بها ، ويحتمل أن يكون في موضع خبر مبتدأ ، كأنه قال : ذلك نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ويكون قوله « ذلك » إشارة إلى ذكر اللّه سبحانه وتعالى ومن إسكانهم الجنة فتجري بلا واو مجرى ما هو من تمام الكلام الأول كقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ « 2 » فقوله « ذلك » وإن انقطع عن الأول في اللفظ فإنه متصل به من طريق المعنى وكأنه قال : لهم ما يشاءون عند ربهم مشار إليه بأنه الفضل الكبير . وقوله : نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي : ذاك نعم أجر العاملين ، والمعنى المشار إليه يتفضل على أجور العاملين ، وإذا كان الأمر على ما ذكرت في الآيتين لم يلق بكل واحدة منهما إلا ما جاءت به فاعرفه . الآية السابعة منها قوله تعالى : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ « 3 » وقال في سورة الملائكة : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ « 4 » . للسائل أن يسأل عن اختلاف الآيتين في إدخال الباء في قوله : وَبِالزُّبُرِ في موضع وحذفها منها في موضع في قراءة الأكثرين . الجواب أن يقال : إن الزبر والكتاب في سورة آل عمران وقعا في كلام بني على الاختصار والاكتفاء فيه بالقليل عن الكثير مع وضوح المعنى ، فكان أول ذلك قوله : فَإِنْ كَذَّبُوكَ والتقدير : وإن يكذبوك ، فوضع الماضي الذي هو أخف موضع المستقبل الذي

--> ( 1 ) سورة : العنكبوت ، الآية : 58 . ( 3 ) سورة : آل عمران ، الآية : 184 . ( 2 ) سورة : الشورى ، الآيتان : 22 و 23 . ( 4 ) سورة : فاطر ، الآية : 25 .