محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
50
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
ما أذن اللّه تعالى في كونه دلالة على صدقه من قلب الصور التي يصورها من الطين على هيئة الطير ، وذلك جمع ، والتأنيث به أولى . مسألة في ذلك : قال بعض أهل النظر في هذه الآية إنما قال : فيصير طائرا بإذن اللّه وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن اللّه ، فذكر « إذن اللّه » في هذين الموضعين ، ولم يذكر : « إذن اللّه » في قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ولا في قوله : فَأَنْفُخُ فِيهِ ولا في قوله : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ لأن ما وصفه من هذه الأفعال إنما هي أفعاله ، ولم تكن أفعالا للّه تعالى ، فلهذا لم يذكر أن ذلك كان بِإِذْنِ اللَّهِ كما ذكر الإذن فيما وصفه من قبل مما فعله اللّه عز وجلّ دونه ، وذلك أنه لم يعن بالإذن أمره له بأن يطيعه في ذلك ، وإنما عنى به أن اللّه تعالى هو الذي فعله ، فلهذا جعل ذكر الإذن فصلا بين فعله وفعل اللّه عز وجلّ انتهى كلامه . قلت : ذلك سهو منه ؛ لأن الذي ذكر أنه لم يذكر معه إذن اللّه لأنه من فعل عيسى عليه السّلام ، فقد نطقت سورة المائدة بخلافه وهو قوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فسوى بين الفعلين اللذين ذكر من حكيت كلامه أنهما مختلفان ، وأن أحدهما فعل عيسى ، والآخر غير فعله ، فلهذا لم يذكر معه الإذن ، ثم قال تعالى : وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي « 1 » فذكر الإذن في أربعة مواضع لأفعال دل من ذهب إليه من ذكرت كلامه بذكر الإذن في فعلين من سورة آل عمران على أنهما فعل اللّه ، وما لم يذكر معه الإذن فعل عيسى ، وقد رأيت ما اعتد اللّه سبحانه وتعالى به عليه في سورة المائدة ، ينطق أن ما ذكر أنه بغير إذنه هو بإذنه ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المعنى في الآية من سورة آل عمران : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أقلبه بعد التركيب على مثال الطائر لحما ودما وعظما ، ثم بالنفخ فيه أجعله حيوانا ، وكل ذلك بِإِذْنِ اللَّهِ ويكون معنى قوله : فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ راجعا إلى كل ما ذكر أنه يفعله من مبتدإ قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فجميع تلك الأفعال واقعة بِإِذْنِ اللَّهِ وإذن اللّه عبارة عن إرادته وخلقه على يده ، فسهّل ذلك على عيسى عليه السّلام عند الاحتجاج به وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ثلاثة أفعال لا تكون إلا بِإِذْنِ اللَّهِ عز وجلّ ، وقوله : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ هذا وإن كان إخبارا من عيسى وفعلا من أفعاله ، فإنه لا
--> ( 1 ) سورة : المائدة ، الآية : 110 .