محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

5

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

[ المقدمة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قال إبراهيم بن علي بن محمد المعروف : بابن أبي الفرج الأردستاني رحمه اللّه : هذه المسائل بيان الآيات المتشابهة لفظا بأعلام نصبت عليها من المعنى ، أملاها أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الخطيب رحمه اللّه تعالى في القلعة الفخرية ، إملاء لمّا خلا فيها ، ولم يحضره غيري ممن يسوغ له حمل ما يكتب فيه ويكتب به ، فكتبت عن لفظه المسائل والأجوبة ، وسألته أن يصدرها بخطبة ، فارتجلها كارتجاله سائر الكلام بعدها واللّه أعان ويسر وله الحمد . الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ( أما بعد ) : فاعلموا حملة الكتاب المتين الحكيم ، وحفظة القرآن المبين الكريم وفقكم اللّه تعالى لحق علمه بعد حق تلاوته ، وأذاقكم من لذة قراءته وبرد شراب معرفته ما يشغف قلوبكم بحلاوته ، أني مذ خصني اللّه بإكرامه وعنايته ، وشرفني بإقراء كلامه ودرايته ، تدعوني دواع قوية يبعثها نظر ورويّة في الآيات المتكررة بالكلمات المتفقة والمختلفة ، وحروفها المتشابهة المنغلقة والمنحرفة ، تطلبا لعلامات ترفع لبس إشكالها ، وتختص الكلمة بآيتها دون أشكالها ، فعزمت عليها بعد أن تأملت أكثر كتب المتقدمين والمتأخرين ، وفتشت عن أسرارها معاني المتأولين المحققين المتبحرين ، فما وجدت أحدا من أهلها بلغ غاية كنهها ، كيف ولم يقرع بابها ولم يفترّ لهم عن نابها ، ولم يسفر عن وجهها ! ففتقت من أكمام المعاني ما أوقع فرقانا ، وصار المبهم المتشابه وتكرار المتكرر تبيانا ، ولطعن الجاحدين ردا ، ولمسلك الملحدين سدا ، وسميته : ( درة التنزيل ، وغرة التأويل ) وليس للّه بمنكر مستبدع أن يعثر خاطر عبد ربيء على كنز حكمة في القرآن خبيء ، أو يبلغه في لطيف من لطائف كلامه حدا لا يبلغه أحدا وإن كان أوحدا ، فإذا عرفتم ما نحونا إليه من سنن الآثار أمنتم عند القراءة مخوف العثار ، ثم تطلعون بعده على علوم تبدو للنفس وتحتقرون معها بيان اللبس ، وترون ممالك لم يملكها قبلكم أمة ، ومسالك لم يجل في مدارجها همة ، فتعلمون أن كلام اللّه جل ذكره وعلا شأنه وأمره بحر لا تستنفذ جواهره ، وذو عجائب لا تستدرك بواطنه وظواهره ، وذو عمق لا يبلغ آخره ، وذو طول وعرض لا تقطع مزاخره ،