محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
48
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
الناس إيقاعه ، ولم يمكن بعضهم من أن يفعل ببعض مثله ، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم ، وإخبارهم إياهم بمصيرهم إلى عذاب يحرقهم ، وفي الثانية أخبر عما أنزله بهم من العذاب الذي مكن الناس من فعل مثله ، وهو الإهلاك والإغراق ، لأن ذلك مما أقدر اللّه العباد عليه ، فالنوعان هما : العذاب الأول من أحكام الآخرة بعد ظهور أشراط الساعة ، والعذاب الثاني من أحكام عذاب الدنيا ، والذي يبين ذلك أنه قال في الأولى : كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فأخبر عن أعظم ما ارتكبوه وهو الكفر ، وذكر آيات اللّه وهو الاسم الذي يفيد استحقاق العبادة التي هي مضادة للكفر ، كما قال في سورة آل عمران : كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي : أخذهم من أنعم عليهم ليشكروا لما عصوا وكفروا بذنوبهم التي ارتكبوها ، ثم قال : وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ والمراد به عقاب الآخرة ، كما قال تعالى : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ « 1 » ويشهد لذلك قوله في الثانية : كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فذكر هذا الاسم دون غيره ؛ لأن فيه معنى أنه نعمهم وثبتهم ورباهم وقام بمصالحهم ، حتى بلغوا حد التكليف المبلغ الذي قدروا فيه على أداء حق الإنعام ، فلما غيروا ما أنعم اللّه به عليهم من جهته ، وصرفوه إلى معصيته وتقووا بنعمته على مخالفته ، سلبهم ذلك في الدنيا بأن عجل هلاكهم فأغرقهم ، والعقاب المؤخر ذكره في هذه الآية الأخيرة مما يفعله أهل الدنيا بعضهم ببعض ، فذكره عقيب إنعامه عليهم ، وتغييرهم له بوضع الكفر موضع الشكر ، فغير اللّه سابق الأنعام بيد الانتقام . وكما غيروا غير عليهم ، فالعقاب الأول أولى أن يكون المراد به عقاب الآخرة ؛ لأن فيه الإخبار بالاحتراق ، والثاني هو العذاب بالإغراق . مثل قوله : ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ « 2 » وتعقيبه بقوله : كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وقوله في سورة آل عمران : وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ فذكر أنهم وقود النار وذلك في الآخرة ، ثم قال : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ فذكر الاسم الذي يفيد ما هو حجة عليهم ، كما ذكرنا قبل . وجواب آخر وهو : أنه يجوز أن يكون الأول خبرا عن عادتهم في الأشر والبطر والطغيان عند الاستغناء ، والمعنى : جرت عادتهم بمقابلة الإحسان بقبيح العصيان ، ويكون الأخير بعد ذكر اللّه معاقبتهم على فعلهم خبرا عما أجرى اللّه به العادة في عقاب مثلهم . وكان معنى الأول : عودوا من أنفسهم عادة ، ومعنى الثاني : عودوا إذا فعلوا ذلك عادة ،
--> ( 1 ) سورة : طه ، الآية : 127 . ( 2 ) سورة : الأنفال ، الآية : 50 .