محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

46

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فأتى بالضمير الفاعل ، وكان يعقل من قوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا أي : إنا عرضناهم للإيمان ، ومكناهم من الإسلام ، وأزحنا العلة ، ونصبنا الأدلة ، فكذبوا بها ، فالذي حقت له العبادة ، وعظمت منه النعمة أخذهم بذنوبهم ، واللّه يعاقب الكفار عقوبة تشتد عليهم ، ولا تخفف عنهم لما قدموا من العصيان ما استمر مثله ، ولم ينقل عنه قدم ولا عقبه بعد الإصرار عليه ندم . فهذه فائدة العدول إلى لفظة « اللّه » في قوله تعالى : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ دون قوله : فأخذناهم . المسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في كَدَأْبِ ووجه اتصالها بما قبلها وموضعها من الإعراب ، لأنها بمعنى « مثل » ، والكاف التي يصح مكانها « مثل » محكوم على موضعها برفع ، أو نصب ، أو جر . الجواب عنها أن يقال : يجوز أن تكون الكاف متعلقة بقوله : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ « 1 » فيكون موضع الكاف نصبا على معنى المصدر كأنه قال : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مثل ما لم تغن عن آل فرعون أي : إذا جاء عقاب اللّه لم يدفعه المال والولد ، كما لم يدفع ذلك عن آل فرعون والدأب أصله الهمز وهو العادة وما جرى عليه قوم في معاملة ، ويجوز أن تكون الكاف متعلقة بمعنى قوله : وَقُودُ النَّارِ « 1 » كأنه قال : وأولئك يصلون النار كما أجرى اللّه حكمه عادة لآل فرعون ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون موضع الكاف رفعا على أنه خبر ابتداء ، كأنه قال : حال هؤلاء مثل حال آل فرعون ودأبهم كدأبهم . المسألة الثالثة في الآية الثانية هي مخالفتها للآية الأولى في إجراء الخبر كله على لفظة واحدة ، وهي لفظة « اللّه » ؛ لأنه قال تعالى : كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ولم يقل : كفروا بآياتنا كما قال في الأولى . الجواب عن ذلك أن يقال : إن الآية التي تقدمت هذه هي قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 3 » فجرى الخبر في هذه الآية على اللفظ الظاهر وهو وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ثم جاء بعدها :

--> ( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 10 . ( 3 ) سورة : الأنفال ، الآية : 49 .