محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
41
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
لجماعة ، فإنما قصد بالكاف المفردة مخاطبة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم العدول عنها إلى مخاطبة أمته ، كقوله عز من قائل : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ « 1 » فلم يمنعه قوله : إِذا طَلَّقْتُمُ وهو خطاب الجماعة عن أن يفرد للنبي صلّى اللّه عليه وسلم خطابا مخصوصا موحدا ، وهو قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فكذلك قوله : ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تكون الكاف في ذلك لخطاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والكاف في منكم لخطاب لأمته ، وكذلك كل موضع جاءت الكاف فيه هذا المجيء . الآية الثانية والعشرون قوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ « 2 » وقال في آخر هذه العشر : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 3 » . للسائل أن يسأل فيقول : ما الفائدة التي أوجبت اختصاص المكان الأول بالتعريف والباء ، فقال : بالمعروف ، والمكان الثاني بالتنكير ولفظة « من » . الجواب عن ذلك أن يقال : إن الأول تعلق بقوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي : لا جناح عليكم في أن يفعلن في أنفسهن بأمر اللّه ، وهو ما أباحه لهن من التزوج بعد انقضاء العدة ، فالمعروف هاهنا أمر اللّه المشهور ، وهو فعله وشرعه الذي شرعه وحث عليه عباده ، والثاني المراد به فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من جملة الأفعال التي لهن أن يفعلن من تزوج أو قعود ، فالمعروف هاهنا فعل من أفعالهن يعرف في الدين جوازه وهو بعض ما لهن أن يفعلنه ، ولهذا المعنى خص بلفظة « من » ونكر ، فجاء المعروف في الأول معرف اللفظ لما أشرت إليه ، وهو أن يفعلن في أنفسهن بالوجه المعروف المشهور الذي أباح الشرع من ذلك ، وهو الوجه الذي دل اللّه عليه وأبانه ، فعرف إذ كان معرفة مقصودا نحوه ، وكذلك خص بالباء وهي للإلصاق ، والثاني كان وجها من الوجوه التي لهن أن يأتينه فأخرج مخرج النكرة لذلك .
--> ( 1 ) سورة : الطلاق ، الآية : 1 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 234 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 240 .