محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

35

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم من كتابهم المنزل عليهم من التوراة والإنجيل والتوعد في الموضعين مختلف والكبيرة واحدة ، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في المكانين ؟ . الجواب أن يقال : الوعيد في مكان من المكانين على حسب ما ذكر من عظم الذنب وكبر الجرم ، فقال في سورة البقرة : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فوصفهم بأنهم خالفوا اللّه في أمره ونقضوا ما قدم من عهده إليهم ، حيث قال : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ « 1 » فهؤلاء لم يبينوا وكتموا ، فخالفوا بارتكاب ما نهى اللّه عن ارتكابه وترك ما أمر اللّه بإتيانه ، ثم قال : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي : نصيبا يسيرا من الدنيا ، فجاء على هذا غلظ الوعيد ، وهو قوله : أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي : هذا الحظ اليسير الذي نالوه من الدنيا بمطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم ، ثم قال : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من قبل اللّه كلام أو سلام ، كما قال في أوليائه : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ « 2 » ثم قال : وَلا يُزَكِّيهِمْ أي : لا يطهرهم من ذنب الكفر بالعفو عنهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ثم قال : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى « 3 » فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم وأنهم باعوا الإسلام بالكفر ، واشتروا عذاب اللّه بالغفران ، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها ، فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمان ما لم يجب كتمانه ، والإعراض عن تبيين ما وجب تبيانه ، والآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها مثل ما ذكر في أول هذه الآية ، قال : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا فكان هاهنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فقرن به من الوعيد أقل مما قرن بالآية الأولى ، وهو أن قال : لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي : لا نصيب لهم من الخير وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ كما يكلم أولياءه وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نظر رحمة وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . الآية الثامنة عشرة قوله تعالى :

--> ( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 187 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 175 . ( 2 ) سورة : الأحزاب ، الآية : 44 .