محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
34
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
ولاختصاصه في الآية الثانية بقوله : فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعدوله عن ذكر اللّه إلى ذكر ربك فائدة مخصصة بمكانه . الجواب عن ذلك أن يقال : لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه ، فأما الأول فلأنه لما قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ « 1 » وختم بقوله : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ « 2 » كذا كان بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته ؛ لأن الإله هو الذي يحق له العبادة بما له من النعمة ، فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله : إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وختم الآية بأن قال : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي يغفر لكم عند الضرورة تناول ما حرمه عليكم في حال الاختيار رحيم بكم ، وكذلك الآية الثالثة مبنية على مثل هذا ؛ لأن أولها فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ « 3 » فكان مشبها لما قدمنا ذكره ، فقال : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وأما الثانية فلأنه قدم عليها ذكر أصناف ما خلقه اللّه لتربية الأجسام فقال : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ « 4 » فذكر الثمار والحب ، وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل والبقر والغنم ، خص هذا الموضع بذكر الرب ؛ لأن الرب هو القائم بمصالح المربوب ، فكان هذا أليق بهذا المكان واللّه أعلم . الآية السابعة عشرة قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 5 » وفي سورة آل عمران « 6 » : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . للسائل أن يسأل فيقول : الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 172 . ( 4 ) سورة : الأنعام ، الآية : 141 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 173 . ( 5 ) سورة : البقرة ، الآية : 174 . ( 3 ) سورة : النحل ، الآية : 114 . ( 6 ) الآية : 77 .