محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
32
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ولم يدعوا أن ما ألفوا عليه آباءهم كان كافيهم وحسبهم ، فاكتفى بنفي أدنى منازل العلم لتكون كل دعوى مقابلة بما هو بإزائها مما يبطلها والسلام . الآية الخامسة عشرة قوله تعالى في هذه السورة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » وجاء في ثلاثة مواضع بعده وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أولها في سورة المائدة « 2 » : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وفي آخر سورة الأنعام « 3 » : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وفي سورة النحل « 4 » : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فجاء في المواضع الثلاثة به مؤخرا ، عن قوله : لِغَيْرِ اللَّهِ ، وفي الموضع الأول من سورة البقرة مقدما على قوله : لِغَيْرِ اللَّهِ . للسائل أن يسأل فيقول : لما ذا اختلف الموضع الأول مع المواضع التي بعده ؟ الجواب أن يقال : أما الموضع الأول ، فإنه جاء على الأصل الذي يقتضيه حكم اللفظ ؛ لأن الباء التي يتعدى بها الفعل في هذا المكان من جملة الباءات التي تجيء كحرف من نفس الفعل تقول : ذهبت بزيد ، ثم تقول : أذهبت زيدا ، فتصير الباء كالهمزة المزيدة في بنية الفعل ، فيجب لذلك أن تكون أحق بالتقديم ، وما يتعدى إليه الفعل باللام لا يترك ، لأنه بمنزلة الحرف من نفس الفعل فصار قوله : أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ بمنزلة ذبح لغير اللّه مسمى عليه اسم بعض الآلهة ، فلما كان هذا الأصل في الأول جرت الآية الأولى عليه ، ولما كان الإهلال بالمذبوح لا يستنكر إلا إذا كان لغير اللّه كان ما عدا الأصل بتقديم المستنكر أحق وأولى ، ألا ترى أنهم يقدمون المفعول إذا كانوا ببيانه أعنى ،
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآيتان : 172 ، 173 . ( 3 ) الآية : 145 . ( 2 ) الآية : 3 . ( 4 ) الآيتان : 114 ، 115 .