محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
14
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
عليهم بتبديلهم ما قدم به القول إليهم بلفظ « من » التي هي للتخصيص والتمييز بناء على أول القصة التي هي ، وَمِنْ قَوْمِ مُوسى ليكون آخر الكلام لأوله مساوقا وعجزه لصدره مطابقا ، فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم ، فهناك ذكر أمة عادلة هادية ، وهنا ذكر أمة جائرة عادية ، وكلتاهما من قوم موسى ، فاقتضت التسوية في المقابلة ذكر منهم في سورة الأعراف ، وأما في سورة البقرة فإنه لم تبن الآيات التي قبل قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا على تخصيص وتبعيض ، فتحمل الآية الأخيرة على مثل حالها ، ألا ترى أنه قال : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ « 1 » ثم كرر الخطاب لهم إلى أن انتهى إلى قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى « 2 » وقوله : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وتعقبه بقوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فلم يحتج إلى « منهم » ؛ لأنه لم يتقدمه ما تقدم في سورة الأعراف مما يقتضيها . الآية الخامسة قوله تعالى : في سورة البقرة « 3 » : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ بالألف واللام ، وقال في سورة آل عمران « 4 » : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ نكرة غير معرفة ، وكذلك في هذه السورة وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ لَيْسُوا سَواءً « 5 » . الجواب عن ذلك : أن الآية الأولى في سورة البقرة خبر عن قوم عرفوا وعرفت أفعالهم ، ومضت أزمنتهم وأحوالهم ، فلما شهروا وشهر فعلهم بوقوعه منهم وقيل الحق ما قاله اللّه تعالى : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ « 6 » والحق هو : أن يكون قتل نفسا مؤمنة يجب عليها القتل ، والقاتل مكلف أو أن يرتد أو يزني وهو محصن ، فهذا معلوم يخبر عنه بلفظ المعرفة ، والقتل وقع منهم من غير أن كان على الأوجه الثلاثة المعلومة على أن هذه الآية يسأل فيها ، فيقال : قد كان في قوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ كفاية ؛ لأنه لا يقتل نبي ؛ لأنه لا يرتكب واحدا من الأوجه الثلاثة التي توجب القتل ، وعن هذا أجوبة منها ما ذكرنا ، والآخر أن يقال المعنى : أنهم كانوا يقتلونهم من غير أن وقع منهم ما يوجب عليه القتل عندهم وفي دينهم ، وليس هذا موضع
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآيات : 40 ، 47 ، 122 . ( 4 ) الآية : 21 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 57 . ( 5 ) سورة : آل عمران ، الآيتان : 112 ، 113 . ( 3 ) الآية : 61 . ( 6 ) سورة : الأنعام ، الآية : 151 .