محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

12

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

سورة الأعراف ، وتأخيره في سورة البقرة عن قوله : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً . الجواب : عن ذلك مما يحتاج إليه في مواضع من القرآن في هذه الآية التي قصدنا الفرق بين مختلفاتها ، وهو أن ما أخبر اللّه تعالى به من قصة موسى عليه السّلام وبني إسرائيل ، وسائر الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه ، وما حكاه من قولهم قوله عز وجل لهم لم يقصد إلى حكاية الألفاظ بأعيانها ، وإنما قصد إلى اقتصاص معانيها ، وكيف لا يكون كذلك واللغة التي خوطبوا بها غير العربية ، فإذا حكاية اللفظ زائلة وتبقى حكاية المعنى ، ومن قصد حكاية المعنى كان مخيرا بأن يؤديه بأي لفظ أراد ، وكيف شاء من تقديم وتأخير ، بحرف لا يدل على ترتيب كالواو ، ولو قصد حكاية اللفظ ، ثم وقع في المحكي اختلاف لم يجز ، فلو قال قائل حاكيا عن غيره : قال فلان : زيد وعمرو ذهبا وكان هذا لفظا محكيا ثم قال ثانيا قاصدا إلى حكاية هذه اللفظة من كلامه : عمرو وزيد ذهبا لم يجز له ذلك ؛ لأنه غير قوله وأخر ما قدمه ، وإن قصد حكاية المعنى كان ذلك مرخصا له . والمسألة الخامسة : في هذه الآية إثبات الواو في قوله : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ في هذه السورة ، وحذفها في سورة الأعراف منها ، والفرق بين الموضعين المؤثر في الموضع الذي قصد الفرق فيه دقيق ، وهو أن قوله : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ادخلوا في موضع المفعول من « قلنا » والمفعول يكون مفردا ، ويكون مكانه جملة ، والفاعل عند البصريين لا يكون إلا مفردا ، ولا تصح الجملة مكانه ، ولذلك يقولون في قوله تعالى : ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ « 1 » إن فاعل « بدا » هو البداء الذي دل عليه الفعل ؛ لأن الفعل دال على مصدر وكذلك قوله : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا « 2 » فاعل « يهد » عندنا مفرد محذوف ، وعند الكوفيين تصح الجملة أن تقوم مقام الفاعل فعلى مذهبنا وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا الذي أقيم مقام فاعل « قيل » مفرد لا يصح أن يكون جملة ، ولا يجوز أن يكون اسْكُنُوا مكان الفاعل كما كانت مكان المفعول في قوله : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا فعلى هذا التقدير يكون للقائم مقام الفاعل لفظا مفردا هو القول كما كان البداء فاعل قوله : ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ ، وإذا خرج قوله : اسْكُنُوا عن أن يكون فاعلا ، وكان لفظه في موضع الفاعل ، ولم يتعلق بالفعل الذي قبله تعلق الفاعل بفعله ، ولا تعلق المفعول بفعله الواقع به في قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا

--> ( 1 ) سورة : يوسف ، الآية : 35 . ( 2 ) سورة : السجدة ، الآية : 26 .