نذير حمدان
99
حكمة القرآن والحضارة
أكثر الصفات اقترانا بها ، فإن جلالية اللّه ورفعته تتناسب وجلال القرآن ورفعته ، وأعظم بها جلالية عزيزة حكيمة كانت وحيا لجميع من كان قبله من الأنبياء والرسل . - وإذا استأثرت صفتا العلم والعزة بحكمة اللّه تعالى أكثر من غيرها وتقدمتا عليها دوما فإن تقدم ( الحكمة ) وهي من أغنى الصفات الإلهية في القرآن على ( الخبرة ) كما أشرت يلفت الذهن إلى أنه في ( آيتي الأنعام ) متناسبة مع صفة القهر والفوقية الإلهية على العباد ، فهي قهرية حكيمة وفوقية حكيمة في الآية الأولى ، وعلمية مطلقة ولكنها حكيمة في الآية الثانية ، وكذلك في ( آية هود ) متناسبة مع تنزيل القرآن من حكمة اللّه وحده يقينا ، وآية ( سبأ ) المناسبة للملكية المطلقة للّه تعالى والتي يتصرف فيها بحكمة وتقدير . إن الحكمة الإلهية لا بدّ من أن تسبق صفة اللّه ( الخبير ) حتى تنفي التماثل بين اللّه والإنسان الذي يكتسب الحكمة من الخبرة الإنسانية مع ضرورة اقترانهما باللّه تعالى : لتحقيق الكمال الإلهي في الصفات والأفعال . - والحكمة تزيد على صفات العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام بالتدبير المحكم والاتقان البديع ، ولو أن هذه الصفات متناسقة ومتلازمة مع صفة الحكيم ، إذ لا تقع الحكمة من جاهل عاجز مكره ميّت . . كما لا يكون حكيما من كان عاجزا مكرها ضعيفا معدما . فلا تستوفي صفات العلم والقدرة والإرادة والحياة صلاحياتها ومنافعها في حالات العدمية والحمق والطيش والنزق ، وترتبط صفة ( الظاهر ) خاصة بانتظام الخلق وتقدير الكون وتسوية الموجودات أرضية وفضائية وسماوية وبشرية ، فإن بثّ هذه الصفة فيها آية الحكمة والإبداع ، وإذ أنها زيادة عن الصفات السابقة فهي العلم وزيادة والقدرة وإضافة ، والإدارة والعدل فإنها ضابطة لها - في غير الذات الإلهية طبعا - من الشّطط والغلو والظلم من ناحية ، والانكماش والقصور والضّعف من ناحية أخرى . ولذا فإنها كثرت مع صفتي العلم والعزة أكثر من غيرها « 1 » . - وإذ أن الحكمة تزيد على الصفات الإلهية السابقة كما أشرت ، فهذا يعني أنها مرتبطة بها على النحو الذي يليق به . فعلم اللّه حكيم ، وقدرته موزونة وإرادته بصيرة . . . ولذا لم
--> ( 1 ) وانظر حكمة هذه العلاقات والصفات في وصف ( القرآن الحكيم ) .