نذير حمدان

88

حكمة القرآن والحضارة

من ثمرته العملية ، وقد يسخر في حالات الطيش والانحيازات الخاصة : وفي تقديم الحكم على العلم تقدير للعقل والتجربة والتصرف السديد والعمل النافع . وذكر الرازي عن ( لوط ) أن المراد من الحكم ، معرفة أسرار الأشياء وهو فهم خاص به وبإخوانه الأنبياء . وفي هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها ، وذلك لأن اللّه تعالى قد قدم ذكره هاهنا على سائر النّعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن ، وإذا كان العلم مقدما على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها ؟ ولإبراهيم حكم وحكمة أيضا ( الشعراء 83 ) ونقل عن ابن كثير أنها أو أنه العلم ، وعن عكرمة أنها اللبّ ، وعن مجاهد أنها القرآن ، وعن السدي أنها النبوة . ولموسى حكم وحكمة وهبية من أجل رسالته حتى يضع بها كل شيء في موضعه ( الشعراء 21 ) و ( القصص 14 ) وجعل من شرائطها استواؤه وبلوغه الرشد ، فإنها من كمال العقل والتفكير إضافة إلى كمال الوحي والنبوة . ومع أن القرآن لم يصرح ( بالحكم ) لرسول اللّه محمد فإن طلب اللّه منه في آيات ( الأنعام 89 ) وما بعد ، أن يقتدي بالأنبياء في كل شيء ومنه ( الحكم ) ، فإن ( حكمة ) الرسول فيه من أغنى الحكم النبوية والبشرية . ثانيا : الحكم بالمعنى السياسي الشائع ( أربع مسائل حضارية هامة ) فقد تقدم اشتراك الحكمة والحكم في الأصل اللغوي حتى ورد ذلك بمعنى الحكمة في سور منها ( يوسف 22 ) و ( الأنبياء 74 ) و ( الشعراء 21 ) وغيرها كثير ، وفي الأصل اللغوي أيضا أن ( الحكم ) هو الفصل والقضاء يتعلق بالحاكم والقاضي وعامة الناس الذين قد يصدر منهم حكم صحيح أو باطل أو متحيز . وفي اللسان : وحكم الشيء أحكمه : كلاهما منعه من الفساد . وحكمت ، وأحكمت ، وحكّمت بمعنى : منعت ورددت ، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم كما سبقت الإشارة إليه . - والحكم الأوّلي والأساس يبدأ بسياسة الإنسان نفسه .