نذير حمدان

77

حكمة القرآن والحضارة

وأما الحكمة بمعنى فعل الصواب ، فقيل في أحدها : إنها التخلق بأخلاق اللّه بقدر الطاقة البشرية ، ومدار هذا المعنى على قوله صلى اللّه عليه وسلم : تخلّقوا بأخلاق اللّه تعالى ، واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، فالمرجع بالأول إلى العلم والإدراك المطابق ، وبالثاني إلى فعل العدل والصواب ، فحكى عن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم قوله رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ( الشعراء 83 ) هو الحكمة النظرية وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( الشعراء 83 ) الحكمة العملية ، ونادى موسى عليه السلام فقال إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ( طه 14 ) وهو الحكمة النظرية ، ثم قال فَاعْبُدْنِي ( طه 14 ) وهو الحكمة العملية ، وقال عن عيسى عليه السلام أنه قال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ( مريم 30 ) وهو الحكمة العملية وقال في حقّ محمد صلى اللّه عليه وسلم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ( محمد 19 ) وهو الحكمة النظرية ، ثم قال وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ( محمد 19 ) وهو الحكمة العملية ، وقال في جميع الأنبياء يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ( النحل 2 ) وهو الحكمة النظرية ، ثم قال فَاتَّقُونِ ( النحل 2 ) وهو الحكمة العملية . والقرآن هو من الآية الدّالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين . قال أبو مسلم : الحكمة فعلة من الحكم وهي كالنّحلة من النّحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولبّ وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، قال اللّه تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( الدخان 4 ) . ثم قال وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ : إن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه ، ثم تأمّل وتدبّر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء اللّه وتيسيره كان من أولي الألباب ، لأنه لم يقف عند المسبّبات ، بل ترقّى فيها إلى أسبابها ، فهذا الانتقال من المسبّب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلّا لأولي الألباب ، وأما من أضاف هذه الأحوال إلى نفسه واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها كان من الظّاهريين الذين عجزوا عن الانتقال من المسبّبات إلى الأسباب . وفي ( آل عمران 48 ) عن حكمة عيسى عليه السلام قريب مما في ( المائدة 110 )