نذير حمدان
75
حكمة القرآن والحضارة
مجالان في تصنيف الحكمة القرآنية ويمكن أن نصنّف مواقع الحكمة القرآنية في مجالين متداخلين . - سياقات الحكمة ودلالاتها العامة : وهي دلالات على شمولية الحكمة وجامعيتها ، فهي في أنقى الإلهيات والسلوكيات وأقومها وأخلصها من تبعية الأهواء ، ودلالات على أنها هبة يؤتيها اللّه خاصّته ، ومادة علمية تعليمية من مهمات الأنبياء وبخاصة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وأسلوب قويم ناجح في الإصلاح . بعيدة عن مغالاة الفلاسفة وتأويلاتهم ، لأنها مقترنة بنزول الكتب السماوية ، وليست طبقية أو عنصرية يتبجح بها قوم دون آخرين ، فقد استوفت سورة البقرة مجالات كبرى للحكمة ، يتركّز معظمها في إطار التعليم منبهة إلى ضرورة استبيان أسرار الأشياء بالاستناد إلى العلم الصحيح ، وتوضح الصّلة الفكرية الوثقى بين إبراهيم وحفيده محمد عليهما السلام في صورة دعاء مستجاب ( البقرة 129 ، 151 ) وذلك لتثبيت النبوة المحمدية . قال ابن كثير وابن الجوزي : الحكمة هي السنّة . وقال الرازي : هي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها ، لذلك قال الشافعي : الحكمة هي سنة الرسول عليه السلام . وهي إذ تؤكد هذه النبوة في آية ( الجمعة 2 ) فإنّ مفردات الحكمة تذكّر بأسرار الحياة الزوجية وآدابها بخاصة ما يتصل بآداب الطلاق ( البقرة 231 ) حيث تنبه إلى ضرورة الكشف عن أسرار المسائل التشريعية عموما . ولذا قال ابن الجوزي : الحكمة : الفقه ، أما ابن كثير والزمخشري فاتفقا على أن الحكمة هنا هي السنة . وفي الصراع الذي دار بين داود عليه السلام وجالوت وانتصاره عليه صرحت آية البقرة ( 251 ) بالعطاء الإلهي لداود حتى كان من حكماء القرآن ، وفسرت الحكمة : بالزبور المشتمل على أسرار الشريعة كما نقل ابن الجوزي في أحد القولين ، ونقل عن ابن عباس أنها النبوة ، واعتمدها الزمخشري . وقال الرازي : الحكمة هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة هاهنا النبوة ، قال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( النساء 54 ) وقال فيما بعث به نبيّه عليه السلام وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ( آل عمران 164 ) ، وعلى هذا فكان داود يترقى من الملك