نذير حمدان

64

حكمة القرآن والحضارة

العقل وهو المراد بالنبوة ، لا أنّ النبوة عبارة عنها فقط ، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة . . . ) ( فالأنبياء أطباء أمراض القلوب وإنما فائدة العقل وتصرفه أن عرّفنا ذلك ، ويشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن درك ما يدرك بعين النبوة . . . ) . والرّدع الديني أقوى من الرّدع الفلسفي في الإطار الرحب لهدف النبوة في الإصلاح والتغيير ، وهو في أصله النبوي الأقوى والأكثر تغلغلا وعمقا والأوفى من أيّ ردع آخر ، فهو يقصد به النبي قبل غيره كما يقصد به تحرير الواقع المريض وإقامة المجتمع الصالح ، وكثيرا ما يتمحّك الحكيم أو الفيلسوف حكما أو تزييفات في صور حكم . . . ولذا فربما ( ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات ، ويعظّم الشريعة بلسانه ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر وأنواعا من الفسوق والفجور ، وإذا قيل له : إذا كانت النبوة غير صحيحة فلم تصلي ؟ فربما يقول : لرياضة الجسد ولعادة أهل البلد وحفظ المال والولد ، وربما قال : الشريعة صحيحة والنبوة حق ، فيقال : فلم تشرب الخمر ؟ فيقول : إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء ، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك ، وإني أقصد به تشحيذ خاطري ، حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له ، كتب فيها : أنه عاهد اللّه تعالى على كذا وكذا ، وأن يعظّم الأوضاع الشرعية ، ولا يقصّر في العبادات الدينية ، ولا يشرب تلهّيا بل تداويا وتشافيا ، فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان والتزام العبادات أن استثنى شرب الخمر لغرض التشافي ، فهذا إيمان من يدّعي الإيمان منهم . . ) « 1 » . فحكمة الحكيم مزاجية تأويلية أحيانا ، يصعب أن تتحرر حتى تصبح حكمة خالصة ، بينما تكون حكمة النبوة عملية واقعيّة حاجيّة ، وليست مما يقيمه الفلاسفة من عالم التصورات والتخيلات والشطحات . . . وهو فرق عمليّ كبير . وهكذا فإنّ الحكمة النبوية أحكم مصدرا وأوسع مجالا وألصق بواقع الناس وحاجاتهم ، وأصدق مصداقيّة ، وأعمق صلة وشمولا وتربية ، وأخلق بالعمل بها في مختلف الأحوال وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( المائدة 50 ) .

--> ( 1 ) الكلام بين المعقوفات للغزالي في : المنقذ 81 ، 90 ، 91 ، 127 .