نذير حمدان
5
حكمة القرآن والحضارة
بين يدي الدراسة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللهم ارزقنا حكمة البيان والفعل والحال ، وعلمنا حكمة القرآن والسنة ، وفقهنا فيهما ودلنا على صحة الكلمة وصدقها ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب الحكيم . وبعد : فهذا الكتاب هو خامس خمسة قامت . بمسئولية الدراسة الحضارية المتعمقة في الآيات البينات ، وتناولت قيم الحضارة القرآنية من صميم الذكر الحكيم تكشف عنها وتدعو لها وتوجه إلى الالتزام بها في عالم الحوار والتحديات الحضارية العالمية . وتتجلى حكمة القرآن في كل سوره وآية المترابط المتناسب وأحيانا في مقاطعه وكلماته للتعبير عن قضايا الحياة وما فوق الحياة وما وراء الحياة ، فللتشريع حكمه ، وللكون حكمه ، وللإنسان حكمه وللماضي حكمه وللمستقبل حكمه ، وهي على عمقها وتغلغلها في شعاب الحياة تشمل الوجود الحاضر والغيبي ، والقواعد الحضارية المؤسسة لها ، والمطورة لفعالياتها ، والمتنامية لعطاءاتها ، والإنسانية لمداها ومجالاتها . وهي إذ تضم حقائقها ومواقعها وموضوعاتها وأصالتها وعالميتها فإنها تشمل في رحابها المسائل الهامة : الإلهيات والطبيعيات والبشريات في التشريع والحكم والإبداعات العلمية والجمالية ، كما تبحث عن ميادين الحوار الحضاري المتكافئ بالتي أحسن ، وتضع في حسبانها مواجهة التحديات بالتي هي أحكم ، فالحكمة لا تعني الاستخزاء في الحقوق مثل ما أنها لا تعني الاستعلاء الغاشم والتفوق الشرير لفئة أو طبقة . وكانت الفلسفة ( الحكمة ) القديمة تحمل ظلالا وثنية سواء كانت يونانية إغريقية غربية أو بابلية وكلدانية وهندية شرقية ، وإن حاولت فئة من الحكماء أن تسمو ويسمو معها لواء القيم المطلقة والمضامين التجريدية جاهدين في التفكير حول الإلهيات بما هو فوق عقولهم ومقولاتهم ، وبعد موت أرسطو ( 322 ق . م ) . . . ذوى مجد اليونان ببزوغ فجر الرومان ، ولكنّ عظمة روما قامت على عظمة القوة لا على ضوء الفكر ، واندثرت عظمة روما بعد