نذير حمدان
43
حكمة القرآن والحضارة
وقضاياها فإنهم يقلّدون الفلاسفة اليونان وينسجون مثل آرائهم ويفاخرون أقرانهم بها باعتبارهم أئمة العقل والعمق في مسائل الوجود . والاتجاه التوفيقي بين الفلسفة والدّين قد يتجاوزه إلى تلفيق وترقيع في دلالة الفلسفة بمعطيات الشريعة بحيث لا يصدق عليها دراسة فلسفية خالصة ولا دراسة إسلامية بحتة ، وهو اتجاه ركّز على الغاية والمعنى العملي والنفعية المبدئية ، وتناول الموضوعات الواحدة والمعالجات المتشابهة وإن اختلفت المصطلحات والأشخاص . - فقد جاء في إحدى رسائل أبي حيان التوحيدي ( ت 414 ه ) « 1 » الصيغة الجامعة بين الفلسفة والشريعة قوله : ومن كان فلسفي الطريق شريعيّ المذهب لم تعرض له هذه العوارض - أعني التلهف على نيل اللذات والأسف على ما يفوته منها ، والندم على ما ترك وقصّر ، بل العلم أن تلك الانفعالات خسيسة تقتضي أفعالا دنيئة ، وأن الحكماء رضي اللّه عنهم قد بيّنوا رذائلها ، وسطّروا الكتب في ذمّها ، وأن الأنبياء صلوات اللّه عليهم قد نهوا وحذروا منها ، وكتب اللّه تعالى وتقدس ، ناطقة بجميع ذلك مصدقة له . وذكر ابن مسكويه ( ت 421 ه ) الغاية من الأخلاق - وهي فرع من الفلسفة والدين ، من حيث أن كلا منهما يهدف إلى سعادة الإنسان . واهتم ابن حزم ( ت 456 ه ) بالمعنى العملي لكل من الفلسفة والدين ، وذهب إلى أن غرضهما هو إصلاح النفس وأنه لا خلاف بين الفلسفة والشريعة في ذلك . أما الكندي ( ت 252 ه ) فإنه يقرّ صراحة بتوافق العقل والنقل ، أو الفلسفة والدين . وهو القائل في رسالته إلى المعتصم : علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة ، وجملة كل علم نافع والسبيل إليه والبعد عن كل ضار والاحتراس منه ، واقتناء هذه جميعا هو الذي أتت به الرسل الصادقة عن اللّه جلّ ثناؤه ، فإن الرسل إنما أتت بالإقرار بربوبية اللّه وحده وبلزوم الفضائل . . .
--> ( 1 ) من رسائل أبي حيان التوحيدي ص 162 تحقيق ونشر د / إبراهيم الكيلاني .