نذير حمدان
301
حكمة القرآن والحضارة
وسبق علماؤنا ومنهم البلاغيون إلى تعريف وتقويم ( التناسب ) عموما فقال ابن القيم « 1 » : هو ترتيب المعاني التي تتلاءم ولا تتنافر . . . ثم يقول : والقرآن العظيم كله متناسب لا تنافر فيه وتباين . بينما فصّل بعضهم روابط التناسب العقلية والحسية والخيالية التي تكشف عن التلازم الذهني كالسبب والمسبب والعلة والمعلول ، والنظيرين والضدين . كما قال السيوطي وغيره في علوم القرآن « 2 » : وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض ، فيقوي بذلك الارتباط ويصير التآلف ، ويشبهه بالبناء المحكم المتلائم الأجزاء . . . . ب - والمعقولية : ويقصد بها خضوع الرابطة بين الحكمة ومسألتها للعمل العقلي وأنها دائرة في المجال الإدراكي متحررة من استبدادية المسألة وسيطرتها التقليدية فيما لو فصلت عن حكمتها ، كما يقصد بها ملاحظة التطابق العقلي بين الحكمة ومسألتها ، فإذا وقع تنافر بينهما أو أخضعت المسألة لغير حكمتها لسبب دعائي إعلامي يراد منه تمرير المسألة على عامة الناس ، فإن هذا استخفاف بالعقول والأفهام . فكل مسألة مقترنة بحكمتها تبدو منسجمة معقولة ، ويدل عليه تساؤل العقل عن صحة المسألة عند عدم التصريح بها مما يسمح أن تبرز نظرات وحكما متعددة لمسألة واحدة ، والحكم عليها حسب تفاوت العقول التي تظل عاملة في حالات خفاء الحكمة لاستنباط المناسب منها قريبا من عملها في حالات التصريح بها ، وذلك من أجل القناعة بصحتها ثم بالقياس عليها فيما بعد . فالرابطة بين المسألة وحكمتها عقلية قريبة من معقولية الحكمة ذاتها سواء كانت هذه المسألة حسية أو معنوية وعندئذ يتم اتساق عقلي خالص أو عقلي حسي ، وبخاصة حين تعرض الحكمة بشكل مبدئي ( عام ) يمكن تحقيقه وقياسه في مسائل عديدة مشابهة . مثلا : رخص اللّه الإفطار في رمضان للمسافر والمريض وقرنه بحكمة التخفيف والتيسير التي صاغها بالشمولية المبدئية حين قال يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( البقرة 185 ) ، وذلك بعد أن خضع هذا الحكم وحكمته : لمجال القناعة التي تبعث على الطمأنينة النفسية في جمالية
--> ( 1 ) ابن القيم : القوائد إلى علوم القرآن 287 . ( 2 ) انظر فصولا في : الاتقان للسيوطي 2 / 108 - 110 ، والبرهان للزركشي .