نذير حمدان
299
حكمة القرآن والحضارة
وكذلك فإنها ذات آفاق رحبة لا تخص أمة ولا قوما ، فإن الإنسان عموما والفنان خصوصا يتطلع إليها ويتناولها بأدواته الفنية محاولا الإبداع فيها ما استطاع . وهي أيضا ليست قاصرة على جانب من الحياة ولا على موضوعات محددة فيها وإنما هي جامعة بين الروحية والمادية ، حتى إن المادية تؤسس على معان روحية سامية ، وأن الموضوعات الروحية والمعنوية تمثل بصور محسوسة تقرب المجردات وتكيف المعنويات ، ومن طبيعة الإنسان عموما والفنان خصوصا أن يستكمل وجوده الروحي والحسي في أشواقه العليا وممارساته العادية المعاشة ومشتهياته النظيفة ، وهي أخيرا خصبة العطاء ثرّة الفكر خالدة الأثر متنوعة المنافع حيوية الموضوعات . 2 - جمالية الجوهر : فالجوهرية خاصة يمكن أن نطلق عليها ( حكمة الحكمة ) ، فإن في ذاتية الحكمة فضيلة والفضيلة جمال والرذيلة قبح ، وفي تكوينها الطبيعي جمالا وفي تركيبها الجوهري رونقا وبهاء ، فلا يرى الجمال المعنوي إلّا بظواهر الحكمة وثمار العدل ، وإذ إنها قرآنية صراحة وضمنا فإنها الجامعة للفضائل : فضيلة عقلية ، لأنها من مفردات الحق ، وفضيلة خلقية أدبية لأنها موئل الخير ، وفضيلة عملية لأنها من النشاطات البشرية العادلة ، وفضيلة جمالية لأنها تتسم ذاتيا بالاتساق والتناسب . وإذ إنها من حكمة اللّه وتدبيره فإنها تبدو قيمة سامية ، يثنى على صاحبها باعتباره قد اقتبس فضليتها من اللّه الذي يهبها لمن يشاء من عباده وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ( البقرة 269 ) وإذا تضمنت الحكمة قيمة ذاتية وفضيلة جوهرية فإن صاحبها الحكيم متميز عن سائر الناس في كل زمان ومكان ، وفي حظوة خاصة وإن اختلفت الأعراق واللغات . إن هذا التركيب الجمعي للحكمة يبوّئها مكانة عالية في القرآن حيث إن القرآن ذاته حكمة اللّه الحكيمة الجامعة لأنواع الحكم ، وبسبب قرآنيتها دفعت العلماء للتأليف فيها ولبيان جوهرها وإظهار جمالها . أو لم يقل بعضهم : إن الفلسفة محبة الحكمة وقال آخرون : إنها أصل العلوم والمعارف ؟