نذير حمدان
297
حكمة القرآن والحضارة
فاللّه علّمها رسله لأنه العليم الحكيم ، والرسل علموها أقوامهم لأنهم مبلغون عن اللّه وحكمته ومنهم الحكماء ، والعلماء والمربون يعلمون الناس الحكمة والعلم لأنهم ورثة الأنبياء ، وإذ إن فروقا بين حكمة اللّه وحكمة الآخرين فإنها تلتقي جميعا أنها من اللّه هبة وكسب ، وتشترك كلها في أنها العلم النافع والعلم مع العمل ، ولكن هل الحكمة مادة تعليمية ؟ وهل لها برنامج تعليمي خاص بها ؟ ويتقدم هنا سؤالان : ما الحكمة التي يبلّغها الأنبياء أقوامهم من حيث إنها إحدى مهمات النبوة ؟ وما الحكمة التي ينبغي أن يعلّمها فيما بعد الحكماء - علماء وأدباء واجتماعيون - للناس من حيث إنها المهمة التعليمية التي تساهم جذريا في العملية الحضارية ؟ وللإجابة على السؤال الأول يمكن القول : إذا كانت رسالة النبي وشريعته هي الحكمة - وهي كذلك - والتي بعث اللّه بها نبيه أساسا فإنه لا يني عنها ولا يتهاون في تبليغها حتى وإن كلفه ذلك حياته وتهجيره وبذل كل ما هو نفيس ، فهو يعلمهم عماد الحكمة بتوحيد اللّه الخالص من شائبة الوثنية والشرك وإقامة حياتهم عليه ، بالإضافة إلى تعليمهم حكم المعارف وتأسيس هذه المعارف على الحكمة الإلهية العامة والتقدير الموزون ، وذلك بالتأكيد على العلم النافع مثل ما جاء في ( الأحزاب 33 ) . وإذا كانت الحكمة شيئا آخر غير الرسالة أو تفسيرا لها أو ملحقات بها - وهذا ما يشير إليه التعاطف النصي الذي يصرح بأن الرسول يبلغ قومه الكتاب ( والحكمة ) فإنها تقتضي حكمة نبوية قائمة على الصفاء الذهني والفعالية الفكرية والنظافة الخلقية والتجربة الواعظة والإمامة النبوية التي تجدد آثارها العملية في الناس : حكمة التصرف والتعامل ، وسمو العلاقات ، إلى جانب حكمة النبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة في صورتيها البشرية والنبوية معا . وللإجابة على السؤال الثاني يمكن القول : إن أسس الحكمة الدينية هي أصل التعليم وأساسه ولا خير في تعليم مبتور منه ، وهو إلى وجهة الضرر والإيذاء أقرب منه إلى الخير والنفع . وهو أيضا تعليم مستمر لا ينبغي أن ينقطع في أية مرحلة من مراحل العمر ، ولا بدّ من مراعاة العمر الزمني والعقلي في الإيجاز والتفصيل والعمق والسطحية وإرواء الحاجات الذهنية والشعورية بمعارفه وفضائله . ومع تعليم هذه الأسس أو عقبها فمن الحكمة أن يتعلم