نذير حمدان
273
حكمة القرآن والحضارة
فالشافعية عللوا الجهاد بالكفر ، والحنفية عللوا بالحرابة وهو الحق فإن كفر الغير لا يضر المؤمن إلّا حرابته فهي الموجبة لقتلهم وجهادهم ، ومن ثم لا يقتل من لا يحارب من الرهبان والنساء ونحوهم كالشيخ الذي لا يقدر على القتال . وحفظ النفس بالقصاص لأنه أنفى للقتل ، وحفظ العقل بحدّ السّكر ، وحفظ النسب بحدّ الزنا ، وحفظ المال بحدّ السارق والمحارب ، ويلحق بهذه الضروريات مكملاتها كحدّ قليل الخمر لأن قليلها يدعو إلى كثيرها ، فتحريم الدواعي إلى الحرام معقول ، وكحد القذف فإنه مكمل لحفظ النفس فإن جراحة اللسان ربما أفضت إلى جراحة السنان ، فتؤدي إلى المقاتلة . الثاني : حاجية غير واصلة إلى حدّ الضرورة ، كالبيع والإجارة والمضاربة والمساقاة ، فإنها لولاها لم يفت واحد من الخمس الضرورية ، ولكن يحتاج إليها الإنسان في المعيشة ، ( ويستثنى ) جزئيات بعض العقود ، فإنها بفواتها يفوت واحد من الضرورية كاستئجار المرضعة للطفل مثلا ، إذ لو لم يشرع تلف نفس الولد فوصل إلى ضرورة حفظ النفس ، وكذا شراء مقدار القوت واللباس يتقى به من الحر والبرد وأمثالها . ( وللحاجيات ) مكملات أيضا ، كوجوب رعاية الكفاءة ، ومهر المثل على الولي في تزويج الصغيرة . . . . الثالث : تحسينية ( وهي ) من قبيل اختيار الأحسن والأولى كتحريم الخبائث من القاذورات والسباع حثا على مكارم الأخلاق فإنها منشأ الأخلاق السيئة . وأكثر مسائل الاستحسان مستخرجة منها . والتقسيم الثاني المقصود من شرع الحكم ، ( وهو ) إما أن يحصل بحصوله يقينا كالبيع شرع للملك ، أو يحصل ظنا كالقصاص ( الذي ) شرع للانزجار عن ارتكاب القتل وهو يحصل به غالبا ، فإن الممتنعين عن القتل أكثر من المرتكبين ، أو يحصل شكا ويمثل بحدّ الخمر ، فإن المساواة بين الشاربين والممتنعين محل منع ، أو يحصل وهما كنكاح الآيسة ، فإن عدم النسل منها أرجح ( بينما ) شرع النكاح للنسل . ( ويتفرع عن ذلك ) مناسبة الوصف للحكم بمفسدة راجحة أو مساوية ( فإنها باطلة الحكم ) وإن اعتبار مصلحة مع لزوم مفسدة أبعد من الحكيم كل البعد . وأما عدم اعتبار المفسدة