نذير حمدان
259
حكمة القرآن والحضارة
فمن أجل التقوى ورجائها يطلب من الناس أن يعبدوا اللّه خالقهم وخالق من كان قبلهم ( 21 ) ، ومن أجلهما أيضا يطلب من بين إسرائيل أن يعملوا بالتوراة بقوة ( 63 ) . ومن أجل إسباغ الحياة الآمنة على الناس لا بدّ من إقامة القصاص العادل ( 179 ) ، ومن أجلهما أيضا فرض اللّه علينا الصيام كما فرضه على الأمم السابقة ( 183 ) ، ومن أجل إعمال العقل وعدم هدره يبين تشريع صلاة الخوف وأحكام الأسرة وشيء من أدبها ( 242 ) وكذلك العبر العقلية عبر التاريخ اليهودي وتنظير البعيد على القريب والغائب على الشاهد وبالعكس ، وبطبيعة الحال فإن أول المخاطبين به هم اليهود أنفسهم المعاصرون للرسول عن تاريخ آبائهم ( 70 ) ، ومن أجل العمق العقلي والنشاط الذهني والتفكير الدائب يطلب من المؤمنين أن يوازنوا بين أضرار الخمر والميسر ونفعهما إن وجدا ، ومن ثم سحب هذه الموازنة لتسليط الضوء على حكم التحريم والتحليل في سائر المسائل بموازنة النفع والضرر وغلبة أحدهما على الآخر ( 219 ) ومن أجله ورجائه أيضا لا بدّ من السعي في مصلحة الإنسان ولا يجري في شقائه وهلاكه وتدمير ماله ( 266 ) ، وهكذا في التعليلات والرجاءات الأخرى ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( 52 ، 56 ، 185 ) ، و ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ( 53 ، 150 ) التي تزدحم بها سائر السور القرآنية دالّة على إشاعة الحكمة والسببية والرجاء ، وأخصها ربط اللّه بها العقل بالبيان القرآني علّة وتعليلا ورجاء . كي كيلا - لكيلا وهي نص صريح في التعليل مقتصرة عليه فإن ما بعدها سبب وعلة لما قبلها ، سبب نفسي وفطري وحياتي وفي كل منها حكمة ظاهرة واضحة رائدة ومعلمة . فالأولى وردت في قصة أم موسى ذات القلب الفارغ لإرجاع رضيعها إليها وفي ذلك طمأنينة نفسية ليس لها نظير ( طه 40 ) و ( القصص 13 ) وفي مساعدة هارون لأخيه موسى في الدعوة دعم للدعوة والداعين تقتضي تسبيح اللّه وذكره ( طه 23 ) ، وفي الثانية لطرد الحزن المرير الذي أصاب المسلمين في غزوة أحد حيث أصيبوا ( بالغم ) الشديد بسبب مخالفتهم توجيهات الرسول العسكرية وأنه ينبغي لهم أن يتجاوزا الغم وألّا يقفوا عنده ( آل عمران 153 ) ، وفي الثالثة في بيت النبوة ، إذ لا بدّ أن يكون البيان واضحا فإن زواج الرسول من ابنة خالته زينب لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ