نذير حمدان

255

حكمة القرآن والحضارة

الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ . . . طلب اللّه من الناس عموما ومن كفار قريش خصوصا أن يتبعوا القرآن الكتاب المنزل المبارك ويتقوا اللّه ليرحمهم و ( لئلا ) يقولوا : إن الكتب المساوية التي أنزلت على اليهود والنصارى لم نكن نعلمها وإنما كنا غافلين عن دراستها و ( لئلا ) يقولوا أيضا : نتمنى نزول كتاب آخر حتى نكون أهدى منهم ، مع أن اللّه أنزل القرآن بينة وهدى ورحمة . إنها اعتذارات مرفوضة لا تدل على نبل المقصد وصدقه وإنما هي محاولات واهية للتخلص مما وقعوا فيه من القلق والاضطراب ومواجهة العذاب ، ومثلها آيتا ( الأعراف 172 ، 173 ) اللتين تحزمان الأمر وتردان على الغافلين يوم القيامة فلا يقبل قولهم ولا تسمع لحجتهم . فاللّه فطر الناس على الإيمان وأخذه عهدا عليهم حين كانوا في عالم الذر لئلا يحتجوا على اللّه يوم القيامة أنهم غير مستعدين للإيمان وليست نفوسهم مهيأة له ، ثم لئلا يحتجوا بشرك آبائهم وضلال أجدادهم بأنهم من ذرية المشركين وأولادهم وأحفادهم « 1 » . إنها تعللات واهية وتعليلات مرفوضة أبرزها البيان الحكيم . والباء : المفردة القوية المعبرة عن أمور مجتمعة وأشياء متعاقبة ، وهي إذ يغلب عليها ذلك فإنها الأداة التي تكثر ورودها في أسباب الزجر والشدة وبخاصة في علاقات بني إسرائيل وكشف نواياهم وإبراز نفوسهم المنحرفة الناكثة للعهود والمواثيق . وإذ إنها الأداة المتخصصة عموما في حالات السوء والجحود فإنها الجامعة لارتباطاتهم الخائنة مع غيرهم . فقد شنع اللّه عليهم ولعنهم ، وذلك بسبب نقض العهود فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي

--> ( 1 ) قال الطبري في الآية : ( أَنْ تَقُولُوا . . . . ) : لئلا تقولوا ، وقال الزمخشري : كراهة أن تقولوا . . . مفعول له . . . وهما متقاربان .