نذير حمدان

253

حكمة القرآن والحضارة

و خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ( البقرة 29 ) أنها لام لأجل ، فنعمة الخلق جميعه مسخرات لجميع الناس . و سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لأجل بلد ، الزركشي : البرهان 4 / 340 ، ففي الماء حياة ، وسوقه نعمة ربانية تحيي الأرض وتنفع الناس ، فمن الضروري العناية بالمخزون المائي وتنظيمه وترشيده . و وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( النساء 105 ) ، أي لا تخاصم الناس لأجل الخائنين ، فالقضاء ينبغي أن يتميز بالاستقامة والتحرر من التحيز النفسي والمادي . واللام بمعنى ( كي ) كثيرة الوقوع . إنها تعليلات في أعماق الوجود وفي صميم الحقائق وجذور الحياة . ( لئلا ) وتعللات مرفوضة ولئلا : مقطع من ثلاثة حروف : لام التعليل ، وأن المصدرية الناصبة ، ولا النافية ، وهي على وضوح العلية والحكمة في وضعها اللغوي فإن القرآن يخص دخولها على معاني ( الحجة ) أو البرهان المتوهم الذي يساق في أسلوب الحجة الدامغة ، بينما يراد من العلة أو الحكمة هي نفي الباطل منها والتماس الحقيقة ، فأهل الكتاب أو المشركون كانوا يسوقون دعاواهم على الرسول في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام : مرة بما يذكرون بأن من صفات الرسول في التوراة أن قبلته إلى مكة ، ومرة في إعلان الكفار أن قبلته هي قبلة أبيهم إبراهيم وإسماعيل ، فلئلا يحتج هؤلاء وهؤلاء على ثبات الرسول على قبلة الأقصى اقتضت حكمة اللّه بالتحويل لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ( البقرة 150 ) ويدعم هذا تأكيد اللّه لهم في الآية بعدها على حكمة الرسول الذي يعلمهم إياها ، فهو يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ( البقرة 121 ) . ومثلها ولكن على نطاق عالمي : بعث الرسل مبشرين ومنذرين لتنقطع حجة الكافرين بأنهم لم يعرفوا رسلهم ولم يبلّغوا دعواتهم ، فما كان اللّه ليعذب قوما حتى يرسل إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم ، فلا عذر لهم حينذاك مهما تفننوا في الحجاج والبرهان . وإذا كرر اللّه هنا نص التعليل السابق في هذه المسألة بقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ( النساء 165 ) فإنه أكد معناها في