نذير حمدان

238

حكمة القرآن والحضارة

الشرك والمشركين . وهذا واضح بأن السخرية ليست من أجل السخرية ، والإضحاك لا يقصد به مجرد الإضحاك وإنما هو تربية بانية للمسلمين للإعراض عن سخافات المشركين وتهافتهم ومن ثم إقدارهم على الالتزام بالفضائل ، وإرسائها في مجتمعهم من غير أن يعيروا انتباها إلى تعطيل المستهزئين وتوهين فعالياتهم . إن صور المكذبين والمنكرين والمنافقين ، وتصوير المؤمنين من خلال الرؤية الكافرة والمقالة المكذبة تعرض في مشهدين كبيرين أو على مسرحين رحبين ، مشهد الحياة ومسرحها الساخر الكبير الذي تشخّص فيه المعايير والأشخاص لا بقصد الإضحاك والتحقير وتنكيس الشخصيات بقدر ما يقصد منه الدرس النافع والإقلاع عن الفاسد ، والتوجيه السديد في أسلوب التهكم والإهانة والتوبيخ ، وهو ذو أثر فعال بهم مثل أثره الأعظم على المستضعفين من المسلمين ، ومشهد أكبر في مسرح الحياة الآخرة الأرحب حيث تنتهي إليها المشاهد كلها فلا يكتفى أن تعرض أحداث الخزي وصور أشخاصها أمام المسلمين الباهتة الواهنة وإنما تضاد المواقف وتنقلب المشاهد فيمكّن اللّه للمؤمنين الذي يهزءون بالكافرين كما هزءوا بهم معلنين ذلك . . . فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( هود 38 ) ، وهو عذاب نفسي قد يفوق عذاب الجسم ، وتذكير لهم بمهانة المصير بعد أن ساهموا في تثبيط العزائم وتحقير المواهب من الجانب السلبي ، وإعلاء معنويات المسلمين وتجاوز المعوقات للبناء الحضاري من الجانب الإيجابي الذي يستقي المسلمون له نشاطاتهم وفعالياتهم الحضارية من كتابهم الحكيم المجيد .