نذير حمدان
220
حكمة القرآن والحضارة
يتخبّطه الشّيطان من المسّ « 1 » . . . . ومع ذلك فقد قال ( مايرهوف ) عنه : إنه أديب نحوي وفقيه متكلم أكثر منه فيلسوف ، وسواء كان هذا فنا أو فلسفة أو فنا فلسفيا فإن ( موسوعية ) التوحيدي تؤهله لمثل الصور المضحكة من وزير له قيمته السياسية حينذاك وفي بلد عاج بالثقافات ( الري وخراسان ) . وقد يجنح التوحيدي في أجوبته إلى التهكم والاستهزاء الخفي ، ومن ذلك ما رواه عن الصاحب هذا أنه سأله يوما ، يا أبا حيّان ، من كنّاك أبا حيان ، قلت : أجلّ الناس في زمانه ، وأكبرهم في وقته ، قال : ومن هو ويلك ؟ قلت : أنت ، قال : ومتى كان ذلك ؟ قلت : حين قلت يا أبا حيان ! فأضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه « 2 » . ويذكرنا فن التوحيدي الأدبي والجاحظ قبله - خاصة بفلسفة الضحك التي وصفها الفيلسوف ( برغسون ) بأنها قائمة على فكرة ( التصلب الآلي ) أو إذا شئت فعلى فقدان المرونة الحيوية التي تلزم المرء أن يكيف تصرفاته وحركاته حسب مقتضى الحال ، وهذا ما يعطي الضحك في رأي برغسون قيمة اجتماعية . . فإن كل نقص في المرونة ، وكل عجز عن مسايرة الظروف المفاجئة ، أو كل تصلب آلي ، مدعاة للضحك ، والضحك يعدّ سلاحا بيد المجتمع لردّ الناس إلى الجادة السوية ، ومنبها للنشاط الراكد ، ورادعا للشذوذ عن أنظمة المجتمع فهو أداة الكمال المطلق « 3 » . . . ولكنه الجانب الاجتماعي الإصلاحي الذي يغفل الجانب الفردي المتجذر في نفسية العالم أو الأديب المتشائم الساخر المتبرم من الفقر والعوز والشقاء ، إلى جانب ما عرف من التعويض الاجتماعي والسياسي في نفث الفكاهة الساخرة في أوقات الأزمات والشدائد . فالفكاهة الفكرية الراقية لا يمكن أن يأتي بها إلّا الأذكياء ولا يدركها إلّا الأذكياء ، ويتفق الفن مع الفكاهة في أن كليهما متعة وسرور ، وفي أنهما لا يهدفان إلى غاية اجتماعية ظاهرة وأن التهذيب بوساطتهما ناشئ من طبيعتهما الاجتماعية ، ويرجع السبب في أن عباقرة الفن
--> ( 1 ) رسائل أبي حيان التوحيدي 146 وما بعد من دراسة د / إبراهيم الكيلاني في المقدمة . ( 2 ) مثالب الوزيرين 204 . ( 3 ) من مقال د / الكيلاني السابق في الرسالة ( 790 ) للعام 1948 بتصرف طفيف .