نذير حمدان

202

حكمة القرآن والحضارة

وثانيتها : أنه الوسيلة للتحقق من نتائج القياس التي تستخرج بالبرهان من تلك الأحكام . ولا غرو فإن المنطلق الاسلامي في العقيدة المبثوثة في القرآن هو أن المحرك الأكبر لارتقاء المبتكرات الاسلامية وإنجازات المسلمين العلمية المتنوعة لا يقف عند حدّ ولا زمان ، فهم لا يتخلون عن ( روح ) العلم التطبيقي العام ولا انتاجيته المتجددين ، فإنهم يملكون القدرات للجمع بين الروح والمادة وبين العلم والإيمان . ويوجهون علومهم وأشياءهم الوجهة الخيرة لإثراء المعارف وتوسيع آفاقها إلى ( رحابة الإنسانية ) ولكل طالب يريد منهلها والإفادة بحق منها ، وبذلك يمكن أن يصلوا إلى فهم كلي وعميق للحكمة باعتبارها علما نافعا وعملا فاضلا وحضارة راقية . وهذا معنى قول بعضهم في دلالة الحكمة أنها إصابة الحق بالعلم والعمل « 1 » . المجربات وأغنى التجارب والتجربة التربوية أغنى التجارب بالمنافع في ميدان التكوين والبناء الإنساني والإصلاح الاجتماعي والتغيير العام . ولذا فقد عني تراثنا العلمي والتربوي بالجانب التجربي أكثر من عنايته بالعلوم النظرية والفلسفية ، حتى إن هذه كانت ركنا في البناء التربوي العام في صياغة الإنسان فكرا وسلوكا ، فردا وجماعة . وإن تأسيس التراث التربوي على ( المجربات ) « 2 » عموما يعني فيما يعنيه ، بالإضافة إلى الاعتماد على الأفكار التي بلورت هذه المجربات ، متابعة التجارب التربوية واعتبارها الأساس في الحضارة الإسلامية . وهكذا فإن التربية الإسلامية في التراث كانت تعتمد بشكل أساسي على المجربات الشخصية والعلمية والتاريخية والواقعية ، وقد سبقت أية تربية أخرى في جانبيها التعلّمي والتعليمي ضمن فروعها العلمية ، فالزرنوجي الفقيه مثلا ( 593 ه / 1196 م ) في كتابه : تعليم المتعلم طرق التعليم ، والذي لم يتجاوز 80 صفحة قد نبّه وتمثل واستشهد بأكثر من 30 موضعا

--> ( 1 ) التعريفات : ابن كمال 68 ، والمفردات : الراغب الأصفهاني 181 . ( 2 ) مختارات من كتابي : في التراث التربوي 244 - 251 .