نذير حمدان
191
حكمة القرآن والحضارة
يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها ، فإن وزن دانق ( 1 / 6 درهم ) من الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته . . فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه لقال : هذا محال . . وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات مبني على هذا الجنس ، فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه ، وما لم يألفوه قدروا استحالته . . . ولو قيل لواحد هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء هو بمقدار حبة يوضع في بلدة ليأكل كل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه فلا يبقى شيئا من البلدة وما فيها ولا يبقى هو في نفسه ، لقال هذا محال وهو من جملة الخرافات . . . وينبه الغزالي إلى جواز وجود خواص في الأوضاع الشرعية ( في مداواة القلوب وتصفيتها ما لا يدرك بالحكمة العقلية ، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة . . . ) فكيف إذا ( لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين والظهر بأربع والمغرب بثلاث هي لخواص غير معلومة بنظر الحكمة ، وسببها اختلاف هذه الأوقات ، وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة . . . . فيكف ينكر مثل ذلك فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات لم يعرف قطّ بالكذب ، فإن أنكر فلسفي إمكان هذه الخواص في أعداد الركعات ورمي الجمار وعدد أركان الحج وسائر تعبدات الشرع ، لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا ، فإن قال : قد جربت شيئا من النّجوم وشيئا من الطب ، فوجدت بعضه صادقا فانقدح في ذهني تصديقه وسقط من قلبي استبعاده ونفرته ، وهذا لم أجربه ؟ . . . . فأقول : إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته ، بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع ، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك . . . ومن نظر في أقوال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما ورد به من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطّفه في جرّ النّاس بأنواع الرفق واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين ، وبالجملة إلى ما لا يصلح إلّا به دينهم ودنياهم ، حصل له علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده « 1 » . . . ومما تقدم فإن للتجربة خصوصيتها وللمجرب خصوصيته .
--> ( 1 ) المنقذ من الضلال ص 94 - 99 .