نذير حمدان
186
حكمة القرآن والحضارة
وإذا وقع لكثير من الناس أن يتعلموا من تجاربهم ويتحنكوا بما مرّ معهم من أحداث ، فيطوروا معارفهم وعقولهم ومداركهم بالخبرات التي تمر بهم باعتبار أن لديهم القدرة على هذا التعلم والحنكة والتطوّر فإن منهم من لا يملك هذه القدرة ومن ليس لديهم الحنكة والتطور . فللأفراد خصوصياتهم أيضا في تناول الأحداث والتجارب . ولكن يبدو أن خصوصية الأفراد في الإفادة من التجارب والانتفاع بخيرها أقوى من خصوصية التجربة ببلوغها الموقع المناسب الصحيح في الإنسان ، فإن بعض الناس أقدر على الإفادة من التجربة مهما ضؤلت ، وعلى التعلم منها مهما ضعفت وعلى اعتبارها من رصيده المعرفي مهما صغرت . فإن عمق النظرة وأهمية التناول تحيل التجربة الصغيرة إلى كبيرة ، والهامشية إلى أساسية والبسيطة إلى معقدة أو مركبة ، وعلى العكس فإن تجربة عظيمة النفع غنية الفائدة عميقة الجذور في الحياة قد لا ينتفع بها سطحي من الناس ، مثل ذلك الإنسان الذي ليست لديه القدرة على تحليل الأحداث وتركيبها والتفاعل معها ، وأخذ العبر منها . التجربة والاختبار : والتجربة ذات صلة قوية بالاختبار فهو في حقيقته عمليات تقتضي تجارب مقصودة يراد منه التنبه إلى واقع سيّئ ينبغي معالجته ، وبناء صالح يراد تشييده ، فمن المعلوم أن معظم الأمراض الصحية والاجتماعية لا تفاجئ أصحابها بل لا تتعمق في حياتهم حتى تصير جذورا أو حالات مزمنة ، فإذا قام العقلاء والدعاء بالتوعية المناسبة فقد يستطيعون معالجة هذه الأمراض قبل أن تستفحل ، والمشكلات قبل أن تتجذر ، وعندئذ يمكن أن يتوقى المجتمع من تحكم ظاهرة الشر التي قد تسد عليهم منافذ الخير ويحذرون من رجاء الاستدراج ويسره وبحبوحته الآنية . وكذلك فإن البناء الاجتماعي الصالح لا يتحقق فجأة ، ولا يشاد مقدرا بأعمار الأفراد القريبة وإنما للعمر الحضاري زمنه المديد وأوقاته الطويلة . إن الاختبار - وقد سبق الكثير عنه - امتحان القوى النفسية والاجتماعية في وقته الذي لا ينبغي أن يتجاوزه ، وفي حجمه الذي لا يجوز تعاظمه لئلا ينقلب إلى مشكلات مستعصية