نذير حمدان

184

حكمة القرآن والحضارة

معرفة خواص الأشياء كما في الطبّ ، وبمعنى مشاهدة الإنسان ما في نفسه ، وبمعنى تذوق الحقائق بالقلب ، وبمعنى نظر الأمر واستنباط الحكم « 1 » . وعلى هذا فإن التجربة ذوقية وهي طريق النبوة فإن العلاقة قوية بين الوحي الإلهي وهذه التجربة حتى إن الغزالي يقيم لها شأنا كبيرا خلافا للمتكلمين والفلاسفة . . . فإن أحباب اللّه يتلقّون علما لدنيّا لن يطّلع عليه العلماء الذين يعتمدون على الاستنباط العقلي ، ولا يرتقي إلى ذلك المقام الرفيع في العلم إلا القليل جدا من الناس ، وهم فيه يلتقون بالرسل والأنبياء من جميع الأزمنة ، ولذلك فإن اتّباعهم واجب على من هم أدنى منهم مرتبة في المعرفة . يقول الغزالي بعد أن يستشهد بقوله : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( الكهف 65 ) هذه الطريقة لا تفهم إلا بالتجربة ، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم ، والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم « 2 » . . . . . فالتجربة الذوقية عنده ليست خاصة الأنبياء ، وهو يستشهد طويلا على صحة الإلهام بالتجارب والحوادث التي وقعت للصحابة والأصفياء « 3 » يجدون بها لذة لا يعدلها لذة أخرى ، إنها فوق التجارب الحسية ووراء التجارب الذهنية الفلسفية ما دامت تنبع من القلب بذوقيته العجيبة . وذكروا في باب التجارب والتأدب بالزمان ، قالت الحكماء : كفى بالتجارب تأديبا ، وبتقلب الأيام عظة . وقالوا : كفى بالدهر مؤدبا وبالعقل مرشدا . وقالوا : كفى بالدهر مخبرا بما مضى عما بقي . وقالوا : كفى الزمان مخبرا لذوي الألباب ما جرّبوا . وأقوال كثيرة غيرها . وذكروا أيضا في باب آداب الحكماء والعلماء العملية في فضيلة الأدب : أوصى بعض الحكماء بنيه فقال : الأدب أكرم الجواهر طبيعة ، وأنفسها قيمة ، يرفع الأحساب الوضيعة ،

--> ( 1 ) أبو ريدة في كتاب : الفلسفة في الإسلام ص 238 . ( 2 ) المنقذ من الضلال ص 128 وفي آخره حكم وأمثال كثيرة . ( 3 ) الإحياء 8 / 43 .