نذير حمدان
140
حكمة القرآن والحضارة
الحكمة وجوامع الكلم وإذا اجتمع القول الفصل مع كثرة المعاني فإنه أبلغ تأثيرا وأقوى خطابا . يقول الجاحظ « 1 » : وهو ( الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجلّ عن الصنعة . . . فلم ينطق إلّا عن ميراث حكمة ، وإن اللّه جمع له بين الإفهام وقلة عدد الكلام مع استغنائه عن إعادته ) . وفي حكمة خطبه يقول : إنه ( يبذّ الخطب الطوال بالكلم القصار . . . ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا ولا أجمل مذهبا ولا أفصح معنى من كلامه صلى اللّه عليه وسلم ) . ويفسّر ابن الأثير المراد من جوامع الكلم : الإيجاز والبلاغة ، فتكون ألفاظه قليلة ، ومعاني كلامه كثيرة ، وكذلك كانت ألفاظه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . يقول العقاد : اجتماع المعاني الكبار في الكلمات القصار ، بل اجتماع العلوم الوافية في بضع كلمات ، وقد يبسطها الشارحون في مجلدات . إن جوامع الكلم تأخذ طريق الذيوع والانتشار أكثر من غيرها ، وهنا تشبهها الأمثال السائرة التي يمكن تطبيقها على كثير من الحالات والوقائع . وحكمتها لا تقتصر على الإيجاز الآسر وإنما على المفهوم أو المفاهيم الحكيمة الداعية لعمق النظر وطول الدرس . أولا أحاديث جامعة مرسلة : ويقصد بها جوامع الكلم الخالية من الحكمة صراحة ، وقد تضمّنت ألوانا شتى من الآداب والمعارف . من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله « 3 » المثوبة تشمل الفاعل والدّال والقائل فهم متكاملون قل آمنت باللّه فاستقم « 4 »
--> ( 1 ) البيان والتبيين 2 / 16 - 39 ، وفيه أحاديث عامة وجامعة . ( 2 ) وانظر أيضا في تفسير جوامع الكلم : فتح الباري 13 / 248 ففيه أحاديث أخرى . ( 3 ) مسلم إمارة ( 1893 ) . ( 4 ) مسلم إيمان ( 38 ) .