نذير حمدان

133

حكمة القرآن والحضارة

حيث يتابعه عليه الصحابة رجالا ونساء في السلم والحرب في البيت وخارج البيت ، في الأعمال الخاصة والأعمال العامة . لذا فإن عملية التعليم لا تقتصر على جمع الحكمة وتفهيمها بهذا الاتساع الكبير ، وإنما تشتمل على التعليم العملي أو التطبيقي الذي يدفع المؤمنين إلى أن يعرفوا عن رسولهم كل شيء ويتابعوه فيها كل حسب قدرته واستطاعته . والرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن ليعلّم أشياء ثانوية وأمورا هامشية وإنما كان يعلمهم ما ينفعهم في حياتهم بالصورة الشاملة للمعارف العقلية والبدنية والشعورية تعليما طوعيا التزاميا من ناحية ، وتعليم دعوة وتبليغ من ناحية أخرى ، حتى يمكننا القول : إن عصر النبوة هو أغنى العصور وأنشطها بتأسيس الحركة التعليمية ، وترسيخ أصولها ومن ثم بعثها إلى الأقطار الجاهلة . فالعملية التعليمية المستمرة ذات آثار بعيدة في شخصية الرسول من النواحي الفكرية والخلقية والإعلامية . أضف إلى ذلك تنوع الأسلوب النبوي التربوي : في القول الذي يشمل الحكمة القصيرة ، والحوار الحيوي ، والتمثيل المادي ، والقصص الهادف ، وفي الوسائل الحسية : من رسوم وخطوط لإيضاح الأمور المعنوية ، وقريب منه استعمال يديه بالتثبيت ، وأنامله بالتقارب والتدوير . . . . وبالإضافة إليها وإلى القدوة الحية والأسوة الحسنة فقد عرف عنه مخاطبته النّاس على قدر عقولهم ، وأخذهم باللين والتدرج وعدم الغضب إلا في موضعه المناسب ، وصبره على إيذاء الآخرين بالقول والعمل ، وإقناع الآخرين بالمنطق والواقع ، واهتماماته الخاصة بالصبية والفتيان والشباب والإفادة من المناسبات والوقائع والحوادث . . . « 1 » وإذا أخذ تاريخ بني إسرائل الحيز الأعظم في القرآن بهدف اقتباس العبرة والإفادة من دروس الماضي ، فلا غرو أن يكثر الرسول حديثه عنهم وعن أنبيائهم ، والمواقف المتبادلة مع أقوامهم . فهو حديث نبوي يهدف إلى ( العلم ) التاريخي بقدر ما يهدف إلى هداية بني إسرائيل المعاصرين للرسول وتثبيت المؤمنين على الحق . إنه حديث ( العلم ) الطويل الذي يستغرق الليالي بطولها بحيث قد تفوته نوافل الصلاة بسبب استغراقه فيها ، ومن ناحية

--> ( 1 ) من كتابي : التراث التربوي ، وانظر مصادره في ص 9 ، 26 ، 42 ، 127 .