نذير حمدان

130

حكمة القرآن والحضارة

وأيده بالوحي الحكيم فكان النبي الحكيم بعد البعثة ، واستشرف إلى تعليمها ومارسها خلال النبوة فكان المعلم الحكيم ، ومع هذه الموهبة الحكيمة في جوهر تكوينه لم ينقطع عن طلب العلم ، فلم يخل يوم من إقباله عليه وتغذية روحه به وصعودها في مدارج العقلية والروحية ، إنه إعداد تأديبيّ تعليمي طويل المدى عميق الأثر قوي الفعالية مستمر متواصل ، في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية . وفي الوقت ذاته كان الرسول المعلم المعطاء الذي لم يبخل على أحد يطلب منه العلم والحكمة . فأكرم به متعلما ومعلما . فقد كان خير طالب للعلم الإلهي ، وأعظم واع لما يجري بين الناس ، وأشفق إنسان لما آل إليه حال قومه من الأميّة والجهالة ، ويتضح اهتمامه بالعلم بطول مدارسته له وحضّ قومه عليه وتفضيله أحيانا على الجهاد وبخاصة مدارسة القرآن وكثرة تحريك لسانه به وتلقينه للصحابة ، إلى جانب كتابته بالأمانة العلمية والدينية في العسب واللخاف والجلود . ولا بدّ للتحصيل العلمي من إعداد ذاتي قادر على استيعاب المعارف الجديدة ، وفي أعلى درجات التنبه والتوتر لاستقباله ، وكذلك إعداد وسائط النقل العلمي المأمون من اللّه ( المعلم ) إلى جبريل ( أمين ) العلم والوحي حتى يثبت في روع الرسول ، فاكتفى بالمدرسة الإلهية عن أي ارتباط درسيّ آخر ، فلم يأخذه من مجلس ولا من مدرسة ولم يتلقّه من راهب أو حبر بصريح القرآن وبمصداقية سيرته الشريفة . إنها أمور ثلاثة قوية الارتباط فيما بينها هي إنزال القرآن ، وإتيانه الحكمة ، وتعليمه ما لم يعلم كما جاء في آية النساء السابقة ، وهي إذ تؤذن بالفضل السابغ فهي حصن للرسول من الغواية والضلال والانحراف إلى الجاهلية . وسواء فسرت الحكمة بالقرآن أو السنة أو بشيء زائد عليهما فإن المقدرة في كل منهما على تحرّي الحقّ والصواب قادر على تثبيت الرسول أمام التحديات والخطوب . ويتضح هذا الموقف بأن الآية كانت نزلت عقب حادثة بني أبيرق الذين حاولوا تضليل العدالة وبهت البرآء . وإذا كان مما تعلمه الرسول من القرآن التشريع والتاريخ ، وما يتصل باللّه والكون والإنسان وبداية الخلق ونهايته فإن اللّه خصّه بعلوم غيبية ومدركات عالية وقع الكثير منها في أحاديثه الصحيحة .