نذير حمدان

128

حكمة القرآن والحضارة

محمد صلى اللّه عليه وسلم رسول الحكمة ومعلّمها . . . والقرآن فهو بصريح القرآن جامع لحكمة الرسالة وحكمة تعليمها بالمحتوى الحكيم وبالأسلوب والمنهج الحكيم . واستنبط المربون من هذه الحكمة الجامعة حقائق تعليمية وتربوية كثيرة ، وتحدثوا طويلا عن الاتجاه العملي النفعي الإصلاحي المقصود ، وأثبتوا أهمية الشخصية النبوية وقدرتها على الإثارة والتنويع والتدريج والتعريض والتوجيه والإمامية في إيصال الحكمة القرآنية والتغيير الشامل للجيل الأول على قواعد العلم والحكمة حتى أضحوا رسلهما وحملتهما للعالم . الرسول دعوة إبراهيم أن يكون محمد معلما : فالصلة النسبية والدينية بين الرسول وإبراهيم عليهما السلام تنبه إلى أن حكمة أبي الأنبياء التي صرح القرآن بها هي أرجى دعوة وأقوم معرفة في أقدس مكان يجأر فيه إبراهيم إلى اللّه حتى تتحقق كاملة في شخصية حفيده الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم وتعليمه ودعوته . وإذا علمنا أن هذه الدعوة ظهرت من إسماعيل وأبيه عند عمارة قواعد البيت العتيق أدركنا أن أية مؤسسة تشاد ينبغي أن تقوم على العلم والحكمة تصرفا ومقصدا رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( البقرة 129 ) ، ويربط ابن كثير ( الفهم ) و ( السنة ) في معنى ( الحكمة ) ، كما يربط بداية الدعاء بنهايته . فإنه يدعو ( عَزِيزاً حَكِيماً ) يقول : والحكمة : السنة وقيل الفهم في الدين ولا منافاة . . . . ثم يقول : يعلمهم الخير فيفعلوه والشر فيتقوه ، ويخبرهم برضا اللّه عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من إطاعته ، ويتجنبوا ما يسخطه من معصيته إلى أن يقول : قوله إنك أنت العزيز الحكيم : الحكيم في أفعاله وأقواله ، فيضع الأشياء في محالّها لعلمه وحكمته وعدله . فإبراهيم عليه السلام يطلب الحكمة للرسول من مصدرها الصحيح من اللّه الحكيم ، فهو ( العزيز ) أولا لما يشعر أن حكمته سامية رفيعة صالحة مصلحة تتجاوز طلب الجاه والمال والملك والأمور التي يدعو الناس لها عادة ، وهي ليست دعوة خيال أو فراغ وإنما هي تلاوة