نذير حمدان

12

حكمة القرآن والحضارة

نفسه مجرد ترس في الآلة الكبرى يسير معها ولا يشذّ عنها ، وشعاره : العيش وفاقا للطبيعة ( للعقل ) « 1 » . الحكمة صفة العقل المتبصر : الحكمة معرفة ، وعلم : الحكمة هي النفاذ إلى باطن الأمور ، والغوص على أسرار الأشياء ، للتمييز بين الصواب والخطأ في الأعمال والأفكار والاختيارات . هنا تدل الحكمة على حسن تدبّر الأمور ، والمعرفة الأتمّ ، والتبصّر الناضج بالعواقب . فالحكمة صفة العقل المتعمّق المنغرس في الواقع ليقود إلى المعرفة والعلم أو إلى " الإحاطة " [ المعرفة ] المجردة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة . ( الغزالي ، " الاقتصاد في الاعتقاد " ، ص 167 ) وهنا أيضا المعنى الشائع والأعم الذي يقول للحكيم عاقلا . فالشخص الحكيم هو في الاستعمال اليومي الدارج ، العاقل « 2 » . وفي التفريق بين الحكمة والحسّ والعقل ووصف الأخير بالنورانية . يقول أبو الحسن العامري : إنّ المغمض من أرباب الحكمة يدرك بفكره ما لا يدرك المحدق ببصره من غير فهم ، وذلك أن الحسّ محطوط عن سماء العقل ، والعقل مرفوع عن أرض الحس ، فمجال الحس في كل ما ظهر بجسمه وعرضه ، ومجال العقل في كل ما بطن بذاته وجوهره ، والحس ضيق الفضاء ، قلق الجوهر ، والعقل فسيح الجو واسع الأرجاء هادئ الجوهر قارّ العين واحد الصورة ، راتب الرسم ، متناسب الحلية ، صحيح الصفة ، والفكر من خصائص النفس الناطقة ، والنطق في النفس تصفح العقل بنور ذاته ، والحس رائد النفس بالوقوع على خصائصه . . . والحس يفيدك ما يفيد في غرض الآلة التي أصلها المادة ، والعقل يفيدك ما يفيد على هيئة محضة لأنه نور . وفي الغاية الإصلاحية يقول التوحيدي : الإنسانية أفق ، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع ودائر على مركزه ، إلّا أن يكون موقوفا بطبيعته مخلوطا بأخلاق بهيمية .

--> ( 1 ) المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية القاهرة . ( 2 ) علي زيور في الموسوعة الفلسفية .