نذير حمدان

104

حكمة القرآن والحضارة

تجلّيات الحكمة الإلهية « 1 » تتجلّى حكمة اللّه وصفا وفعلا في أخطر مسائل الفكر والعمل والحياة ، فمناطاتها وعلاقاتها في القرآن شاملة وعميقة ، وارتباطاتها وجودية تابعة للوجود ذاته ، فقد وصف اللّه بها ذاته المقدسة ، فاللّه حكيم في ذاته وصفاته وأفعاله : حكيم في الإنسان ، وحكيم في الطبيعة ، وحكيم في النبوات ، وحكيم في التشريع ، وفي التاريخ وفي المصائر ، وقد أمضاها وفق حكمته وتقديره : فإذا أعطى فلحكمة وإذا منع فلتقدير ، فهناك حكمة أو حكم لتخصيص اللّه بها شخصا أو جماعة ، إلهية ظاهرة أو مضمرة ، وحكمة من البشر أنفسهم حيث أقبلوا عليها ونهلوا من ينابيعها وعاشوا في خيرها ، والإنسان عادة يسأل عن الحكمة المكتسبة أكثر مما يسأل عن الحكمة الإلهية التي لا بدّ فيها من سببية وتعليل على مدى الزمان . وسنبرز أهم موضوعات الحكمة في القرآن : في اللّه وصفاته وأفعاله : وفي مقدمتها القرآن وصفا وتنزيلا ووحيا وتلقيا ( وسنفصل الكلام عليه فيما بعد ) . واقترنت ( حكمة ) اللّه بقدرته الفائقة والخارقة على الإيجاد والخلق والتحكم الحكيم ، وأبرزت الشهادة له بالواحدانية وقيامه بالقسط ، وانتظمت في صفات الملك الواسع والعلم المحيط ، وألوهية السماء والأرض ، وكذلك حكمته في هداية الناس وإضلالهم ، وفي رحمة اللّه الشاملة إمساكا وعطاء ، وظهرت في الوحي الإلهي المتقدم وأشكاله ، وفي تحبيب الإيمان وتزيينه في قلوب المؤمنين ، وللّه المثل الأعلى في كل شيء فهو الحكيم الخبير العليم . في الإنسان : تكوينه البدني في الأرحام ، وتكوينه العقلي أمام الملائكة ، واستعداده التربوي مرسلا ومستقبلا ومصيرا ، وبيان مشيئته ومشيئة اللّه ، وفي توبته وخلاصه من الآثام ، وخلافته الصالحة الحكيمة .

--> ( 1 ) اقتصرنا في ذكر التجليات على الآيات التي صرحت بالحكمة غالبا ، وانظر سابقا : مواقع الحكمة في القرآن .