احمد ياسوف
44
جماليات المفردة القرآنية
له من صاحبتها على ما هي موسومة به ، حتى يقال : إن « رجلا » أدلّ على معناه من « فرس » على ما سمي به » « 1 » . ويربط تمكّن المفردة بعلاقتها بأخواتها ، ونراه يفنّد تعبير « لفظ متمكن » بعيدا عن النظم إذ يقول : « تجوزوا فكنّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ ثم بالألفاظ بحذف الترتيب ، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض ، وكشف عن المراد ، كقولهم : « لفظ متمكن » يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشئ الحاصل في مكان صالح يطمئنّ فيه » « 2 » . - حجج الدفاع عن المفردة : مما لا شك فيه أن الجاحظ وأقرانه نظروا إلى المفردة نظرتهم إلى هيئتها المعجمية ، فرأوا الجمال في تكاتفها مع غيرها في النسق القرآني ، ويبدو أن بعضهم تعثّر في رأيه هذا ، ولم ينتبه إلى إضفاء كلمة واحدة معاني جليلة على النص ، إضافة إلى استخدام المادة الصوتية في صيغ جديدة ما عهدها العرب ، كالحاقّة والصاخّة والقارعة وغير هذا . وكذلك ينتقي القرآن كلمة « ربّ » في مكان احتياج الموقف إلى الرّبوبيّة ، ولا يضع غيرها من أسمائه الحسنى عزّ وجل ، فقد اطّرد ذكر هذه المفردة في حال الدّعاء حيث يكون المرء في ضعف ، ومثل هذه المراعاة كثير ، فالمفردة في نظرهم شيء معجمي ، ولم يتدبّروا مواءمتها للموضوع ، وما تختصّ به من دلالة خاصة فريدة ، فتتملك موضوعها تملّكا نوعيا . وما يلفت الانتباه أن الجاحظ الذي أسس هذه النظرة والذي نحا الدارسون نحوه ، هو أوّل من يبدي تأمّلا عميقا فاحصا في ملاءمة المفردة لموضوعها من خلال الفروق اللغوية ، واحتواء المفردة لمخزون فكري خاص يعني أن الكلمات ليست متساوية في حجم المعنى وكيفيته ، وهذا ما يفصّل القول فيه في موضع لا حق من البحث ، ويهمنا أن نورد رأيه الذي ورد في « البيان والتبيين » إذ قال : « وقد يستخفّ الناس ألفاظا ويستعملونها ، وغيرها أحقّ بذلك منها ، ألا
--> ( 1 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، ص / 35 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص / 51 .