احمد ياسوف

41

جماليات المفردة القرآنية

إذ يقول : « انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألّف بينها ، واحتجّ بها على ظهور قدرته ، أليس كل كلمة منها في نفسها غرّة وبمفردها درّة ؟ » « 1 » . فالآية عنده أربع كلمات ، والكلمة تساوي الفقرة أو الجملة ، فقوله عز وجل : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً كلمة ، والجمال يشمل إذا الصورة البيانية كلّها في هذه الاستعارة ، أما اختيار « العليم » و « العزيز » من أسمائه الحسنى تبارك وتعالى ، و « فالق » في الصيغة الاسمية لا « يفلق » ، فلا شيء من هذا الذي يدل على تمكن الفاصلة ، وهذا ما انتبه إليه الرماني عندما أكد أن القافية يتبع المعنى فيها المبنى على عكس الفاصلة « 2 » ، وقد تبعه آخرون في شرح هذه الفكرة ، فذكروا الإيغال والتوشيح ، وردّ العجز ، والتمكين « 3 » . والظاهر أن أبا بكر الباقلاني في تأمّله يؤكّد عدل الجاحظ في هذا الأمر ، فجمال انتقاء المفردة متمم لأسلوب النظم ، فهو يقول : « كل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية ، وفي الدلالة آية ، فكيف إذا قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها ، تجري في الحسن مجراها ، وتأخذ معناها » « 4 » . والمفيد في عبارته السابقة العودة إلى مصطلح الكلمة - المفردة ، - وليس الكلمة - الجملة أو الفقرة أو حيّز الصورة الفنية . وقد سار على نهج الجاحظ في أن المفردة كائن معجمي لا جمال فيه ولا قبح ولا تصحّ نسبة الإعجاز إليها ، طارحا العلاقة الوشيجة بين المفردة والفكرة كما سبق أن بيّن ، فمن الطبيعي أن تكون في المعجم ، وفي أقوال أخرى مشلولة حتى ينهض بها القرآن في أدق استخدام ، مراعيا الفروق ، ومفيضا عليها المعاني الجديدة والإيحاءات الخاصة التي لا تكون في العرف اللغوي ، فقد جاء في أواخر كتابه : « والذي تحدّاهم به أن يأتوا بمثل هذه

--> ( 1 ) الباقلاني ، أبو بكر ، إعجاز القرآن ، ص / 188 . ( 2 ) انظر الرماني ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ط / 1 ، تح محمد خلف اللّه ، ومحمد زغلول سلام ، دار المعارف بمصر ، ص / 70 . ( 3 ) انظر ابن أبي الإصبع ، 1383 ه تحرير التحبير ، ط / 1 ، تح حفني محمد شرف ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، القاهرة ، ص / 223 - 245 . ( 4 ) الباقلاني ، أبو بكر ، إعجاز القرآن ، ص / 99 .