احمد ياسوف
39
جماليات المفردة القرآنية
ما في كتبه الموجودة يعد شذرات نفيسة حول النظم ، إذ يقول في رسائله موضّحا غلط الناس في شأن جمال المفردة : « لأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة ، لتبيّن له في نظامها ومخرجها ، وفي لفظها وطبعها ، أنه عاجز عن مثلها . . . وليس ذلك في الحرف والحرفين والكلمة والكلمتين ، ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم ، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم : الحمد للّه ، وإنا للّه ، وعلى اللّه توكلنا ، وربّنا اللّه ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، وهذا كلّه في القرآن » « 1 » . ولا يريد من كلمة « لفظ » إلا الصياغة الفنية الكلية المتعينة في النظم ، ومن المؤكّد أنه يريد بالنظام مفهوم النظم نفسه ، ذلك النسق الذي يربط الكلمات فيما بينها ، وهو أوّل من أولى النظم أهمية ، وأوّل من فرّق بين الشكل والمضمون ، ورأى روعة البيان في الصياغة ، لأن المعنى في رأيه متوفر لكل شخص ، على الرغم من أنه وقف على جماليات المفردة في مواضع كثيرة من كتابيه « الحيوان » ، و « البيان والتبيين » كما سنرى . ولكن العلماء بعده قد تمسّكوا بالنظم ، وجعلوه مناط الإعجاز البياني ، لأن القرآن - في رأيهم - يتشكل من مفردات عربية متداولة ، وجارية على الأفواه ، وذلك تأسّيا - فيما يبدو - برأي الجاحظ . ويطالعنا الخطّابي « 2 » في القرن الرابع بنظرات في النظم القرآني ، ويبدو أنه يؤكد فكرة النظم من غير المغالاة فيها ، إلا أنه لا يقول برأي صريح في جمال المفردة إلا عرضا ، وفي تعرّضه للفروق كما سنرى . وقسم الرماني « 3 » البلاغة إلى ثلاثة أنواع ، وجعل المرتبة العليا للقرآن ،
--> ( 1 ) الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، ص / 120 . ( 2 ) الخطّابي : هو حمد بن محمد البستي من أهل بست من نسل زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب ، فقيه محدّث ، من كتبه « معالم السنن » و « إصلاح غلط المحدّثين » و « غريب الحديث » توفي سنة 388 ه . انظر الأعلام : 1 / 273 . ( 3 ) الرّمّاني : هو علي بن عيسى ، باحث معتزلي ومفسر ، ونحوي ، أصله من سامرّاء ، ومولده ببغداد سنة 296 ه ووفاته بها سنة 384 ه ، له نحو 100 مصنف منها « الأسماء والصفات » و « التفسير » و « شرح سيبويه » و « النكت في إعجاز القرآن » ،