احمد ياسوف
33
جماليات المفردة القرآنية
بأمر الخالق ولا يكون هذا في كلمة سوى « رخاء » . بسط المحدثون القول في هذه الناحية مضيفين إلى إشارات القدامى نظرات عميقة ، وتحليلا مقنعا أحيانا ، مثل الرافعي ، وبدوي ، وحفني شرف ، وغيرهم ، وقد طرق القدامى هذه المسألة ، وعلى وجه الخصوص قدامي علماء اللغة ، كابن جني « 1 » في « الخصائص » وهي تدعى ب « الأونوماتوبيا » أي محاكاة الوضع اللغوي لمظاهر الطبيعة ، وفي العربية الكثير من المفردات المحاكية ، وقد استخدم القرآن مثل هذه المفردات عندما بثّ الحركة فيها ، وجسّم معانيه ، وخاطب الحواسّ عند تقديم الذهنيات . وأخيرا نستنتج أن الاهتمام بالشكل الذي يطمس المعنى ، هو تعلّق زائف لا يجدي نفعا ، كما في مذهب الرمزية المغرقة في الشعر ، والكلمات أصوات ومعان ، ولا يمكن التفريق بينهما إلا على سبيل الافتراض عند الدراسة النقدية ، والصوت والمعنى وجهان لورقة واحدة في الأدب ، ولا تظهر للعيان الارتباطات الموسيقية في الكلمة إلا وهي داخل النص . ولا تتكشف هذه المساندة لأي قارئ ، فالأمر يتطلّب تمحيصا ، وسلامة ذوق ، وتدبرا عميقا . ونحن لا ندّعي مساندة الشكل للمضمون في مفردات القرآن إلى درجة المحاكاة التي لم تحظ برضى الكثير من اللغويين ، بل نرى في القرآن مناسبة تامة بين الشكل والمضمون ، فلا أقلّ من العودة إلى القرآن الذي قدّم الحالة النفسية ، وتصوير أجواء المواقف في المدود والغنّات والتنكير والسّكنات والحركات ، فالمواقف مختلفة ، والتشكيل الصوتي تبعا لها مختلف ، وكأنّ الحرف يمثّل ويرسم ، والحركات تضيف الأطر اللازمة للصورة ، فالهمس في مواقف اللّين والهوادة ، والإطباق والشّدّة في مواقف التهديد والوعيد ، ومثل
--> ( 1 ) هو عثمان بن جني الموصليّ ، أبو الفتح ، من أئمة الأدب والنحو ، وله شعر ، ولد بالموصل ، وتوفي ببغداد سنة 392 ه ، كان أبوه مملوكا روميا ، من كتبه « الخصائص » و « المبهج » في اشتقاق أسماء رجال الحماسة ، و « التصريف المملوكي » و « المقتضب من كلام العرب » وقد شرح ديوان المتنبي ، وكان معتزليا غير مغال في رأيه ، انظر الأعلام : 4 / 364 .