طاهر سليمان حموده

62

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

والذي يهمنا الآن هو أن نذكر أن هذه المنشآت التي أنشئت لإقامة الصوفية لم تخل من الجوانب العلمية ، بل إنها جعلت - على مر الأيام - تحل محل المدرسة تدريجيا ، وسنرى الآن أن بعض هذه الخوانق فضلا عن قيامها بوظيفتها الأولى وهي إيواء الصوفية وإقامة شعائرهم قد أصبحت دورا للعلم تضارع أعظم المدارس في عصرها ، ووجد بها تدريس كثير من المواد الدراسية المعروفة ، ولعل هذا الاتجاه العلمي للخوانق هو الذي جعل بعض المؤرخين يطلق على بعضها اسم المدرسة مرادفا للخانقاه « 1 » ، وهو كذلك ما حدا بالسيوطي إلى أن يذكر الخوانق المصرية أثناء حديثه عن المدارس في الفصل الذي عقده عن المدارس والخوانق حيث لم يفصل المدارس عن الخوانق « 2 » ، مما يدل على كونها من الناحية العلمية كالمدارس سواء بسواء ، وسنشير هنا إلى بعض هذه الخوانق التي تولى السيوطي مشيخة اثنتين منها . خانقاه سعيد السعداء « 3 » : كانت دارا لرجل اسمه قنبر أو عنبر ولقبه سعيد السعداء ، وهو أحد الأساتذة الذين خدموا في قصور الفاطميين وكان له شأن في دولتهم ، فلما آلت سلطنة مصر إلى صلاح الدين الأيوبي وقفها على الصوفية في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وكان شيخها يلقب بشيخ الشيوخ ، وظل ينعت بهذا اللقب حتى بنى محمد بن قلاوون خانقاه سرياقوس فدعي شيخها بشيخ الشيوخ ، إلى أن كانت الحوادث عام 806 ه وتلاشت الرتب أو فقدت شيئا من مدلولاتها فتلقب شيخ كل خانقاه بشيخ الشيوخ . وكان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم . وممن ولي مشيختها قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز والقاضي بدر الدين بن جماعة والقاياتي والقلقشندي .

--> ( 1 ) راجع ابن إياس في حديثه عن خانقاه شيخو أو المدرسة الشيخونية ، بدائع الزهور ج 3 ص 222 . ( 2 ) السيوطي : حسن المحاضرة ج 2 ص 184 . ( 3 ) المصدر السابق ج 2 ص 187 ، 188 ، بدائع الزهور ج 1 ص 72 .