طاهر سليمان حموده
55
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
الفصل الثاني الحياة الثقافية أشرنا من قبل إلى المكانة التي احتلتها مصر بين دول العالم الاسلامي ، وإلى المنزلة التي تبوأتها القاهرة بعد سقوط بغداد . والنشاط العقلي غالبا ما يرتبط بألوان النشاط الأخرى في بيئة ما ، فيزدهر بازدهارها ويخمل بخمولها ، إذ إن عناصر الحياة والنماء في سائر الأنشطة متصلة الأسباب مختلطة الأمشاج . وقد شهدت مصر قبيل سقوط بغداد حركة علمية نشطة في العصر الأيوبي ، وقد شجع ملوك بني أيوب هذه الحركة وبعثوا فيها الحياة والنشاط وكان هدفهم من ذلك بعث المذهب السني في البلاد وإحيائه والقضاء على ما خلف الفاطميون من آثار التشيع . وقد عرف كثير من ملوك الأيوبيين بميلهم إلى العلم ومشاركتهم فيه ، وإغداقهم على العلماء وتكريمهم ، فكان صلاح الدين شديد الكلف بعلوم الدين ، وكان يحضر مع أبنائه دروس الحافظ السلفي بالإسكندرية ، كما سمع من غيره وحضر كثيرا من مجالس العلماء المشهورين « 1 » ، وقد سلك ملوك بني أيوب مسلك صلاح الدّين في تشجيع العلم وتقريب العلماء ، وقد أنشأ صلاح الدين عديدا من المدارس لنشر المذهب السني ولم يكن بالبلاد مدارس قبل ذلك ، فابتنى مدرسة بالقرافة الصغرى بجوار الإمام الشافعي ، وأنشأ أخرى بجوار المشهد الحسيني ، وأقام ثالثة وخصصها للحنفية وقد عرفت هذه في عهد السيوطي بالسيوفية ، كما خصص للشافعية مدرسة عرفت بزين التجار وكانت
--> ( 1 ) د . عبد اللطيف حمزة : الحركة الفكرية في مصر ص 149 .