طاهر سليمان حموده
50
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
في الحياة لم يأخذ صورة واضحة إلا في عصر المماليك . وقد ساعدت عوامل كثيرة على ازدهار التصوف بالبيئة المصرية وتغلغله إلى أعماقها ، فهناك عامل البيئة وحب الشعب المصري وميله الطبيعي إلى التدين بما يحتويه من تصوف فضلا عن الميراث الحضاري والثقافي لهذه البيئة ، يضاف إلى ذلك ما اختصت به هذه الفترة من ظروف ، منها تعرض المسلمين في هذا العصر للغزوات المستمرة من التتار المشركين من جهة الشرق ، ومن الصليبيين من جهة الغرب ، بالإضافة إلى الأحوال الاجتماعية القاسية التي عاشها الناس والتي سبق أن أشرنا إليها ، كذلك الأوبئة والأزمات المستمرة ، كل أولئك وجه أنظار كثير من الناس إلى التصوف والانقطاع للعبادة التماسا للعدالة والنعيم فيما وراء الدنيا حيث افتقدوهما في حياتهم الأولى . وقد وفد على مصر في عصر المماليك كثير من مشايخ الصوفية المغاربة والأندلسيين كالسيد أحمد البدوي وأبي الحسن الشاذلي وأبي العباس المرسي ، وقد لقيت مسالكهم قبولا لدى المصريين ، كما ظهر بمصر كثير من المتصوفين كابن الفارض « 1 » ، وساعد على انتشار التصوف كثرة البيوت الخاصة بالصوفية والتي أقيمت لهم وهي ما عرفت بالخوانق والربط والزوايا . وقد انقسم الصوفية إلى طرق عديدة لكل منها شيخها وشعارها ، فالأحمدية - مثلا - نسبة إلى السيد أحمد البدوي وشعارها اللون الأحمر . على أن كلمات « الخوانق والربط والزوايا » تحمل دلالات مختلفة ومتقاربة لا حاجة بنا إلى تقصيها « 2 » ، فهي جميعا تدل على بيوت أنشئت لتقيم بها جماعات من الصوفية الذين انقطعوا للعبادة بشروط معينة . وقد شهد عصر السيوطي بالقاهرة عديدا من الخوانق وتحدث عنها في كتابه حسن المحاضرة خلال حديثه العام عن هذه المنشآت ، فتحدث عن خانقاه سعيد السعداء التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي ووقف عليها أوقافا واستمرت
--> ( 1 ) حسن المحاضرة ، ج 1 ص 292 وما بعدها . ( 2 ) عبد الوهاب حمود : صفحات من تاريخ مصر في عصر السيوطي ص 20 ، 21 .