طاهر سليمان حموده

378

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

نبهت إلى أن بعض ما عده السيوطي بحثا في اللغة من حيث المعنى ، كان ألصق بمباحث اللفظ كالابدال والقلب والنحت ، وقد أورد فيها آراء صوتية قيمة للغويين تشهد بصحتها الدراسات الحديثة . وتناول الاشتقاق ببحث لخص فيه أقوال السابقين وقسمه تقسيما جامعا حاول به أن يستوعب الدراسات السابقة . ويتصل بالتطور الدلالي بحثه في الحقيقة والمجاز والخاص والعام والمطلق والمقيد ويمتاز كتاب السيوطي باغترافه من منابع الأصوليين الذين درسوا هذه الموضوعات أدق وأوفى من درس اللغويين ، وجمعه بين أقوالهم وأقوال اللغويين ، وقد حاول أن يقسم ألفاظ اللغة باعتبار عموم الدلالة وخصوصها إلى خمسة أقسام ، وهو تصنيف لم يسبق إليه ، وهو يفيد إلى حد كبير في دراسة التغير الدلالي ، فقد وضع قسما لما وضع عاما واستعمل عاما أي لما لم يحدث فيه تغير دلالي كالسماء لكل ما علا والصعيد لكل أرض مستوية ، والثاني ما وضع عاما ثم خص في الاستعمال ببعض أفراده ، والثالث الألفاظ التي اعتراها تغيير نحو التعميم أي ما وضع خاصا ثم استعمل عاما ، والرابع ما وضع عاما واستعمل خاصا ، وأفرد لبعض أفراده اسم يخصه ، والخامس ما وضع خاصا واستعمل خاصا ، ويدل هذا المبحث على ابتكار السيوطي في هذا التقسيم وعنايته بالتغير الدلالي ، وجهده الصائب في جمع الأمثلة ووضعها في مواضعها ، على أن مباحث الدلالة قد حظيت بعناية الأصوليين أكثر مما حظيت به عند اللغويين . وقد وضع السيوطي تصنيفا مبتكرا لأبنية اللغة حاول به حصرها وضبطها في المبحث الذي سماه بالأشباه والنظائر . والحقيقة أنني قد خلصت من هذه المباحث إلى أن عبقرية السيوطي تتجلى في الاستقصاء والتتبع الدقيق وحسن التصنيف والتقسيم والترتيب ، وهو بذلك يعبر عن الروح السائدة في عصره ولكنه يبلغ مبلغا كبيرا . وقد حاولت تبين موقفه من بعض القضايا اللغوية كالبحث في نشأة اللغة ، والمناسبة بين اللفظ والمعنى ، وهو من اللغويين الذين يدافعون عن وجود مناسبة