طاهر سليمان حموده

343

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وفي حديث الزجاجي عن العلل نستطيع إدراك تطور دراسة العلل النحوية عند النحاة حيث يورد الزجاجي بصدد بعض المسائل ما احتج به أوائل النحاة كالخليل وسيبويه ، ثم ما احتج به من بعدهم ، ونلمس من هذا الحديث تعقد دراسة العلل شيئا فشيئا بعد بساطتها على ضوء ما ثقف النحاة من الفقه وعلم الكلام وما مارسوه من أساليب الجدل . وقد قسم الزجاجي في كتابه العلل النحوية إلى ثلاثة أقسام « 1 » : العلل التعليمية ، والعلل القياسية ، والعلل الجدلية ، فالعلل التعليمية وتسمى بالعلل الأولى هي التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب فعلة نصب « زيدا » في « إن زيدا قائم » هو مجيء « إن » قبلها لأنها تنصب الاسم وترفع الخبر ليس غير ، وعلة رفع « زيد » في « قام زيد » أنه فاعل . والعلل القياسية هي العلل الثواني التي تأتي بعد العلل الأولى كأن يسأل سائل عن العلة في نصب « إن » لفظة « زيدا » ، فيجيب النحاة بأنها هي وأخواتها أشبهت الفعل المتعدي إلى مفعول به واحد فعملت عمله ، وتلاها منصوب كأنه مفعول مقدم ومرفوع كأنه فاعل مؤخر ، فهي من هنا تشبه من الأفعال ما قدّم مفعوله على فاعله . والعلل الجدلية وتسمى بالعلل الثوالث هي كل ما يأتي من العلل بعد ذلك ، فكل ما يعتلّ به في باب « إنّ » بعد ما قدمنا هو من قبيل العلل الثوالث ، كأن يسأل سائل : بأي الأفعال شبهت « إن » وأخواتها : أبالماضية أم المستقبلة ؟ أو يسأل آخر لما ذا لم يجز في « إن » وأخواتها أن يتقدم مرفوعها على منصوبها كما يحدث ذلك في الفعل ؟ فكل ما يعتلّ به النحاة جوابا عن هذه الأسئلة ونحوها هو من قبيل العلل الثوالث . ولا يخفى أن العلل التعليمية هي التي تمس الحاجات العملية لدارس النحو والناطقين باللغة ، أما العلل الثواني والثوالث فليست إلا من قبيل الفلسفة اللغوية التي تحاول تعليل ما هو كائن بالفعل في اللغة بعلل يخترعها النحاة بعد

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 64 .