طاهر سليمان حموده

340

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وقد عرف الاجتهاد الفقهي منذ عصر الصحابة ، ووجد كثير من الفقهاء الذين استنبطوا كثيرا من الأحكام ، وعملوا بالقياس ، وكانت لهم طرق متمايزة في الاستدلال والاستنباط ، وكانت هذه الطرق والأصول بمثابة العرف الذي يحرص عليه الفقهاء ويشيرون إليه في عبارات مختصرة ، ولم يتح لهذه الأصول أن تتخذ شكلها العلمي التنظيري الوافر إلا بعد أن أملى الشافعي ( 204 ه ) رسالته التي أحاط فيها بجوانب هذا العلم ، ولذلك فقد اشتهر الشافعي بأنه واضع علم الأصول ، وليس يعني هذا أنه مخترع هذه الأدلة أو الموضوعات ، ولكن يعني أنه أول من استطاع أن يتجرد لصياغة هذه الأفكار المتعارف عليها في إطار نظري محدود يكون بمثابة تخطيط يترسمه الفقيه في اجتهاده الفقهي . إذا كان هذا ما حدث في علمي الحديث والفقه فهو نفس ما حدث في البيئة النحوية . لقد وجد النحاة منذ وقت مبكر ، وتمت الملاحظات النحوية ، واستطاع النحو أن يتخذ شكلا متكاملا في كتاب سيبويه ، وقد تعارف النحاة في استقرائهم واستنباطهم ووضع مقاييسهم على عرف محدد التزموا به سواء فيما يتصل بمن يأخذون عنهم أم بالمادة اللغوية أم بطريقة استخراج القوانين ، وبالرغم من وضع الضوابط النحوية منذ وقت مبكر فإن التجرد لبحث هذا المنهج النحوي لم يبدأ التفكير فيه إلا بعد وقت طويل . ذلك أن القدماء كانت عنايتهم بالتطبيق أغلب من عنايتهم بالتنظير ، والعناية بالتطبيق أو الجوانب العملية من البحث هو ما تدعو إليه الحاجة في أول الأمر ، ثم يأتي التنظير في المراحل التالية . وقد قدر لأصول الفقه أن توضع منذ وقت مبكر كما رأينا ، وقد أخذ علم الأصول طريقه في التدرج شيئا فشيئا ، ووضعت فيه التقسيمات والتفريعات المختلفة ، بيد أننا ننظر في البيئة اللغوية فلا نرى من حاول وضع أصول للنحو ، حتى إذا ما قدر لهذه البيئة أن تتجه إلى هذه الوجهة فإنها تقوم بصنيعها مترسمة خطى البيئة الفقهية في أصولها ، فيأتي ابن جني في القرن الرابع الهجري ويحاول أن يضع بعض الأصول النحوية في كتابه الذي ذكر أنه وضعه نتيجة لأنه لم ير « أحدا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام