طاهر سليمان حموده

257

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وفي الفصل التالي تناول السيوطي - على طريقة أهل الحديث - بحث من تقبل روايته ومن ترد « 1 » ، ونلاحظ أنه تناول نفس العناصر التي يبحثها أهل الحديث في هذا الموضوع « 2 » . ولما كان مسبوقا هنا ببعض الملاحظات والدراسات التي قام بها اللغويون السابقون كابن فارس وابن الأنباري وغيرهما فإنه قد جمع في هذا الفصل ما سبقه من هذه الأقوال ، وضم إليها ما رآه مناسبا من الأمثلة التي استخرجها من كتب اللغة . ويعد هذا الفصل من أقيم الفصول التي كتبها السيوطي فيما يتصل بنقد الرواية اللغوية بصفة عامة فقد بين أن العدالة شرط في نقد اللغة ، وأن نقل العدل الواحد يقبل ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره ، ونجد بعد ذلك ملاحظة هامة لاحظها بعض اللغويين وأكدها وبينها السيوطي وهي التفرقة في اللغة بين ناقلها وبين قائلها ، فالعدالة تشترط في الناقل ولا تشترط في القائل ولذلك اعتمد على أشعار العرب الجاهليين وهم كفار ، كما أخذت اللغة عن الصبيان بل وعن المجانين ممن خلصت عربيتهم . وقد وقف اللغويون من المجهول موقفا يماثل موقف المحدثين في عدم قبوله ، والمجهول هو الذي لا يعرف ناقله ، أما الذي لا يعرف قائله فيختلف عن ذلك حيث يصح قبوله إذا نقله العدل ، ومن أمثلته خمسون بيتا أوردها سيبويه لا يعرف قائلوها وليست من قبيل المجهول باعتبار الناقل ، وقد وقع بعض اللغويين في هذا الخلط بين المجهول ناقله وبين المجهول قائله « 1 » . كما عرض السيوطي لمسألة التعديل على الابهام التي لم يقبلها كثير من أهل الحديث « 2 » ، حيث اشترطوا ضرورة تسمية الرواة حتى يمكن معرفتهم جرحا وتعديلا ولا يكتفي بتعديل من يروي عنهم ، بيد أن التعديل على الابهام قد وقع كثيرا في كتب أئمة اللغويين كسيبويه الذي كثيرا ما يذكر : « أخبرني الثقة ، أو حدثني من أثق بعربيته دون أن يسمي المنقول عنه ، وكتاب سيبويه مقبول موثق عند الجمهور ، وهذا يدل على ما سبق أن لاحظناه من وجود بعض

--> ( 1 ) المزهر ج 1 ص 141 ، 142 . ( 2 ) الخطيب البغدادي : الكفاية ص 373 ، 374 ، مقدمة ابن الصلاح ص 52 .