طاهر سليمان حموده
243
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
والواقع أن طبيعة اللغة تخالف طبيعة الحديث كما تبين ، ولقد كان من الطبيعي أن يكون المحدثون أكثر تشددا في الرواية ، وقد كانوا أكثر بحثا في أحوال الرواة من اللغويين برغم ما يزعمه بعض اللغويين من أن شروطهم في نقلة اللغة مماثلة لشروط أهل الحديث ، فلكل بيئة ميزانها النقدي الخاص بها ، فحيث لا يقبل المحدثون أهل الأهواء الذين لا يؤمن كذبهم ينقل اللغويون عنهم لعدم توفر دواعي الكذب في اللغة . كما أن نقد الرجال أنفسهم يختلف في بيئة عنه في الأخرى ، ووضع نقلة اللغة في ميزان أهل الحديث قد يجرّح أكثرهم ، ولم يكن عجيبا ما قاله إبراهيم الحربي المحدث : « كان أهل العربية كلهم أصحاب أهواء إلا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سنة : أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد ويونس بن حبيب البصري والأصمعي » « 1 » ، ذلك أنه قد وزن ناقلي اللغة بميزان ناقلي الحديث . تلك خلاصة الأبحاث التي سبقت السيوطي وتناولت رواة اللغة ، وقد اتضح منها محاولة الباحثين فيها وضع شروط مماثلة لشروط المحدثين بيد أن الرواية اللغوية - في واقع الأمر - كانت تجد تساهلا في قبولها أكثر من رواية الحديث ، والأمر الثاني أن اللغويين لم يبحثوا في أحوال نقلتهم جرحا وتعديلا كما فعل أهل الحديث باستثناء ما قام به ابن جني ، ومع ذلك فلم يتناول غير طائفة قليلة منهم بالتوثيق وأغفل الحديث عن سائر الرواة . وقد أنكر عليهم الرازي ذلك كما سبق ، واعترف بهذا التقصير القرافي بالرغم من تعقبه للرازي واعتذاره عن اللغويين . ومن ثم فقد نصب السيوطي نفسه مدافعا عن اللغويين محاولا أن يجد لديهم ما هوجموا بالتقصير فيه من بحث أحوال رواة اللغة فأجاب عن ذلك بأن « أهل اللغة والأخبار لم يهملوا البحث عن أحوال اللغات ورواتها جرحا وتعديلا ، بل فحصوا عن ذلك وبينوه كما بينوا ذلك في رواة الأخبار ، ومن طالع الكتب المؤلفة في طبقات اللغويين والنحاة وأخبارهم وجد ذلك ، وقد ألف أبو الطيب اللغوي
--> ( 1 ) ابن الأنباري : نزهة الألباء ص 17 .