طاهر سليمان حموده

192

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

ووجدت ألفاظ أجنبية استعملها العرب قبل الاسلام في لغتهم نتيجة الاختلاط بينهم وبين غيرهم من الأمم ، وقد كان بمكة جاليات أجنبية من الحبشة والروم والفرس ممن اشتغلوا بالتجارة وأقاموا بها ، وقد دخلت إلى العربية بعض ألفاظهم بعد شيء من التحوير في أصواتها وصيغها لتناسب الأصوات والصيغ العربية ، كما أن اختلاط العرب بالأمم المحيطة بهم وهم طريق التجارة وأداتها بين الشرق والغرب معروف ، ونلاحظ مصداق ذلك في أشعار الجاهليين لا سيما من أكثر منهم دخول بلاد الفرس والروم أو البلاد المجاورة لها . فنلاحظ لديهم استعمال الألفاظ الأجنبية بعد تعريبها ، والقول الذي يشير إلى هذه الحقيقة ويرى استعمال الألفاظ المعربة في القرآن الكريم بعد أن عربتها العرب هو ما نسب إلى أبي عبيد القاسم بن سلام ، وقد نقل عنه السيوطي قوله : « والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب فمن قال إنها عربية فهو صادق ، ومن قال عجمية فصادق » « 1 » . وقد حكى السيوطي رأيا مشابها لهذا ، ولكنه لم يحدد قائله ، وهو أكثر وضوحا ودقة ، إذ يرى أصحابه أنه « كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظا ، غيرت بعضها بالنقص من حروفها ، واستعملتها في أشعارها ومحاورتها ، حتى جرت مجرى العربي الفصيح ، ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن » « 2 » . والقرطبي ينسب هذا القول إلى ابن عطية في عبارة أكثر تفصيلا - لخص عنها السيوطي عبارته السابقة - توضح تماما هذه الفكرة إذ يقول : « فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها ، فهي عربية بهذا الوجه ، وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات ، وبرحلتي قريش ، وكسفر مسافر بن أبي عمرو

--> ( 1 ) المصدر السابق ج 1 ص 138 . ( 2 ) الاتقان في علوم القرآن ج 1 ص 137 .